أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٥
كتابا، و إنه لا بد لك من قرين يدفن معك و هو حي، و تدفن معه و أنت ميت، فإن كان كريما أكرمك، و إن كان لئيما أسلمك، ثم لا يحشر إلا معك و لا تحشر إلا معه، و لا تسئل إلا عنه فلا تجعله إلا صالحا، فإنه إن صلح آنست به، و إن فسد لا تستوحش إلا منه، و هو فعلك.
فانظر يا وليي في هذا الحديث تجد فيه لباب معرفة النفس، و فيه إشارة إلى عدة أصول من مسائل علم النفس و أحكامها ليس هاهنا موضع بيانها و شرحها، من أراد الاطلاع فليطالع كتابنا الكبير المسمى بالأسفار الأربعة، و المجلد الأول من تفسيرنا الكبير المسمى ذلك المجلد المفتتح بمفاتيح الغيب و غيرهما من المطولات و المتوسطات، و منها قوله صلى اللّه عليه و آله: إن الجنة قيعان و إن غراسها سبحان اللّه، و منها المرء مرهون بعمله، و منها خلق الكافر من ذنب المؤمن، و منها ما ورد من فعل كذا خلق اللّه له ملكا يستغفر له إلى يوم القيامة، و أمثال ذلك من الأخبار.
و في كلام فيثاغورس و هو من أعاظم الحكماء السابقين أنك ستعارض لك في أفعالك و أقوالك و أفكارك، و سيظهر لك من كل حركة فكرية أو قولية أو عملية صور روحانية و جسمانية، فإن كانت الحركة غضبية أو شهوية صارت مادة لشيطان يؤذيك في حياتك و يحجبك عن ملاقاة النور بعد وفاتك، و إن كانت الحركة عقلية صارت ملكا تلتذ بمنادمته في دنياك و تهتدي به في أخراك إلى جوار اللّه و كرامته.
و مما يدل على أن صورة الإنسان في الآخرة نتيجة عمله و غاية فعله في الدنيا قوله تعالى في حق ابن نوح عليه السلام: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ على قراءة فتح الميم، و مما يدل على أن نفس العمل يعني الملكة الحاصلة منه نفس الجزاء، و قوله تعالى: وَ لا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، و قوله: إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ*، لم يقل بما كنتم تعملون، تنبيها على هذا المطلب، و قوله: ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ، و توضيح ذلك أن مواد الأشخاص الأخروية كما مر هي التصورات الباطنية و التأملات النفسانية، لأن دار الآخرة ليست من جنس هذه الدار، فما في الدنيا مادة يطرأ عليها صورة أو نفس من