أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ١٠٤
(١) قاعدة في الخلق و الأمر
قال اللّه تعالى: «أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ» و قال: «قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا، أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ، إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ».
اعلم أن اللّه خلق عوالم كثيرة، كما ورد في الخبر بروايات متعددة و في بعضها أنه خلق ثلثمائة و ستين عالما.
قال الشيخ محيي الدين الأعرابي في الباب الثامن من الفتوحات المكية: «إن في كل نفس خلق اللّه فيها عوالم يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ...،» و خلق اللّه من جملة عوالمها عالما على صورتنا إذا أبصرها العارف يشاهد نفسه فيها، و قد أشار إلى ذلك ابن عباس فيما روي عنه في حديث: هذه الكعبة و إنها بيت واحد من أربعة عشر بيتا، و إن في كل أرض من الأرضين السبع خلقا مثلنا، حتى أن فيهم ابن عباس مثلي» و العوالم و إن كانت متعددة، إلا أن الجميع مترتبة منتظمة في سلك واحد متفاوتة باللطافة و الكثافة و الظهور و البطون، لما مر من استحالة وجود عالمين متباينين غير منتظم أحدهما بالآخر كما بين في مقامه، و العوالم مع كثرتها منحصرة في قسمين عالم الأمر و عالم الخلق، فعبر عن عالم الدنيا و هو ما يدرك بهذه الحواس الظاهرة الخمس بالخلق، لقبوله المساحة و التقدير، و عبر عن عالم الآخرة و هو ما يدرك بالحواس الخمسة الباطنة و هي النفس و القلب و العقل و الروح و السر بالأمر، لأنه وجد بأمر كن دفعة بلا واسطة شيء آخر، إذ وجوده غير متعلق بالحركات و الاستعدادات، فيوجد بمجرد الجهات الفاعلية لا بالجهات القابلية الانفعالية، فكل ما يقع في تصور الفاعل أو يخطر بباله يوجد دفعة من غير استعمال آلة أو تهيؤ قابل، فعالم الأمر هو الأوليات العظائم التي أوجدها اللّه تعالى للبقاء، كالعقل و الروح و القلم و اللوح و العرش و الجنة، و آخرها الكرسي، و لهذا قيل: فرش الجنة الكرسى و سقفها عرش الرحمن.