أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ١٩٢
السقوط عن الفطرة، «إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ» و الوقوف على الوجه الثاني يوجب الشق و القطع، كما قيل: من وقف عليه شقه، و إليه الإشارة بقوله يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ، و قوله: اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ، و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله في قوله تعالى: أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ، أي «مروا على صراط الآخرة مستويا من غير انحراف و ميل» فمعنى حسن الخلق الوسط بين الإفراط و التفريط، فخير الأمور أوسطها، و كلا طرفي قصد الأمور في الدنيا ذميم، و لذلك قال تعالى وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ، و قال وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً، و قال أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ.
و تحقيق ذلك أن كمال الآدمي بحسب العمل، التجرد و البراءة عن هذه الأوصاف المتضادة الحيوانية، و ليس في قدرة البشر الانفكاك عنها بالكلية، لكن التوسط بين الأضداد بمنزلة الخلو عنها، و كلا جانبي هذا الصراط الجحيم، و وسطها طريق الجنة، و لهذا قيل «اليمين و الشمال مضلة» و كماله بحسب العلم هو تحصيل نور الإيمان و اليقين، و غايته أن يصير إيمانه عيانا، و علمه عينا، و يقينه شهودا حقا.
مشاهدة قلبية
هذا الصراط يظهر يوم القيامة على الأبصار و على قدر نور اليقين للمارين عليه إلى الآخرة، و بحسب شدة نور يقينهم يكون قوة سلوكهم و سرعة مشيهم، فيتفاوت درجات السعداء بتفاوت نور معرفتهم و قوة يقينهم و إيمانهم، لأن المعارف أنوار و لا يسعى المؤمنون إلى لقاء اللّه إلا بقوة أنوارهم، كما قال: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ.
و قد ورد في الخبر أن بعضهم يعطي نورا مثل الجبل، و بعضهم أصغر، و يكون آخرهم رجلا يعطي نورا على قدر إبهام قدمه، فيضيء مرة و يطفي