أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ٨
أن رأس الشقاوة و منشأ العذاب الأليم، هو الكفر الذي ضرب من الجهل و الاحتجاب عن الحق بما يلزمه من الأعمال و الملكات المؤدية إلى البعد عن دار الكرامة و معدن الرحمة و الانغمار في بحر الظلمة الجرمية و الهوى في الهاوية السفلية و القرية الظلمانية الظالم أهلها، كما أن أصل كل سعادة و بهجة هو الإيمان باللّه و كلماته و آياته و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر و الخروج من هذه النشأة الدنية المظلمة و الصعود إلى عالم الطهارة و القدس و النور من عالم الطبيعة و معدن الرجس و الظلمة و الدثور.
تنبيه
اعلم أن محبة الدنيا و الكفر يتلازمان و يتسبب أحدهما بالآخر، و لهذا ورد في الكتاب الإلهي تعليل العذاب الأخروي و الشقاوة تارة بهذا و تارة بهذا كما في قوله تعالى: «وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً، فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ» دلت على أن محبة الدنيا مغرس الكفر و منبت النفاق، لكن نتيجة محبة الدنيا هي العذاب العظيم، الحاصل عن مفارقتها يوم القيامة، و نتيجة الكفر هي غضب اللّه في يوم القيامة. و لا شك عند العارف المحقق أن عذاب الغضب أشد من عذاب النار، لأن الأول عذاب روحاني، و الثاني جسماني حسي، و الجحيم صورة غضب اللّه، كما أن الجنة صورة رحمة اللّه و كما أن لذة رضوان اللّه- أكبر من لذة نعيم الجنة من الحور و القصور و الأنهار و الأشجار و غيرها، كما قال: «وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ» فكذا ألم الحجاب عن الحق أشد من ألم النار، و لذلك وقع مقدما في الذكر في قوله تعالى: «كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ».
و مما يدل على أن الجهل بالمعارف الإلهية يوجب السقوط عن الفطرة و يؤدي الإنسان إلى أن يصير مرآة قلبه مكدرة مظلمة بالغواشي و الظلمات إلى حد يفسد ظاهرها و باطنها، قوله تعالى: «بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ»