أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ١٠٥
و أما دار الجحيم فهي بوجه من الآخرة: و بوجه آخر من الدنيا، فإنها من حيث تجدد ما فيها و توارد الآلام و المحن على أهلها و ذوبان جلودهم و تبديلها و تعاقب الكون و الفساد عليها من الدنيا، و من حيث خلودها و دوام العذاب فيها لأهلها هي من الآخرة.
و بالجملة فكل ما كونها الأمر القديم كان باقيا ببقاء اللّه، و ما كونه بالوسائط كان حادثا ناشئا في عالم الخلق و سمي عالم الخلق خلقا لأنه أوجده اللّه تعالى بالوسائط من شيء كما في قوله «وَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ» فكلما كان مخلوقا بالوسائط كان قابلا للفناء و إنما خلقه للفناء لكونه وسيلة إلى غيره.
و الروح الإنساني و إن كان مكونا مع الخلق و لكنه ليس مكونا بالخلق و لا مخلوقا من شيء فإن النفس حادثة مع البدن لا بالبدن بل بأمر اللّه و تكوينه.
و قد بينا في بعض كتبنا المبسوطة تحقيق حدوث النفس الإنسانية المجردة بما لا مزيد عليه، من أن حدوثها بما هي جوهر مفارق ليس مسبوقا بالمادة، و إلا لم يكن بقاؤها بعد المادة، بل البدن شرط تعلقها و تدبيرها و تصرفها، و لهذا يزول التعلق و التدبير و التصرف بزوال البدن. و من هنا يتبين أن قوله تعالى «قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» إنما هو لتعريف الروح، عني به أنه جوهر بسيط من عالم الأمر و البقاء لا من عالم الخلق و الفناء و لهذا عبر عنها بالكلمة في قوله «وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ» و قوله: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ» و أنه ليس للاستبهام كما ظنه جماعة، من أن اللّه أبهم علم الروح على الخلق و استأثره لنفسه، حتى قالوا لفرط جهلهم بمنصب النبوة: إن النبي صلّى اللّه عليه و آله لم يكن عالما به، جل منصب حبيب اللّه أن يكون جاهلا بالروح، مع أنه عالم باللّه، و قد من اللّه عليه لقوله «وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً».
و أما سكوته عن جواب السؤال عن الروح و توقفه انتظارا للوحي حين سألته اليهود، فقد كان لغموضه، فرأى في معنى الجواب دقة لا يفهمها اليهود، لبلادة طبائعهم، و قساوة قلوبهم و فساد عقائدهم، فإن المدرك لا يدرك شيئا ليس من جنسه، فالحس لا يدرك غير المحسوسات، و الخيال