أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ١٩١
سجلات الكتاب، و غيره لا يمكن له السعي و المشي إلا بالاقتداء به و الاعتصام بعروته و التمسك بضياء نوره و قوته، كالأعمى في المشي بالقائد الآخذ بيده، على أن لكل طائفة صراطا تمر عليه كما قال تعالى: ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
و قد علمت أن لكل موجود حركة جبلية و توجها غريزيا إلى مسبب الأسباب، و للإنسان مع تلك الحركة الجبلية حركة إرادية نفسانية لباعث ديني، و هذا المعنى أي تقلب الوجود في أطواره الكمالية مشاهد مكشوف لأهل البصيرة في أكثر الموجودات، و خصوصا في الإنسان لسعة دائرة وجوده و عظم قوسه الصعودية إذا لم ينحرف عن صراط ربه و لم يسقط عن فطرته، قال تعالى: وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ، فالاستقامة عليه و التثبت فيه هو الذي كلف اللّه عباده به و أرسل رسوله إليهم، و أنزل الكتاب عليهم لأجله و باقي الصراطات ليس شيء منها، هو هذا الصراط المختص بأهل اللّه، لأن كلا منها يؤدي سلوكه إلى غاية أخرى غير لقاء اللّه، و إلى مظهر اسم آخر غير الرحمن الرحيم، كالقهار و المنتقم و الجبار و غير ذلك، و إلى منزل آخر غير الجنة و الرضوان كطبقات النيران، كما حققه العرفاء قال تعالى: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي، و الاستقامة عليه هي المراد بقوله: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَ مَنْ تابَ مَعَكَ وَ لا تَطْغَوْا، و الانحراف عنه يوجب السقوط عن الفطرة و الهوي إلى جهنم التي «قيل لها هَلِ امْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ»، و هذا الصراط هو المدعو للمصلي في كل صلاة بقوله اهدنا الصراط المستقيم، و هو «أدق من الشعر و أحد من السيف»، لأن كمال الإنسان منوط باستعمال قوتيه، أما القوة النظرية فلإصابة نور اليقين في الأنظار الدقيقة التي هي أدق من الشعر، و أما القوة العملية فبتوسيط قواها الثلاثة التي هي الشهوية و الغضبيه و الفكرية في الأعمال، لتحصل للنفس حالة اعتدالية متوسطة بين الأطراف غاية التوسط، و هي أحد من السيف، فالصراط له وجهان، أحدهما أدق من الشعر، و الآخر أحد من السيف، و الانحراف عن الوجه الأول