أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ٦٦
الوضعية كنسبة الحركة التوسطية إلى الحركة القطعية، فهكذا طبيعة الفلك شخص واحد من حيث لها وحدة مستمرة جامعة محفوظة بواحد عقلي هو عقله المدبر له المقيم لنفسه بإذن اللّه تعالى، و إن كان له في كل وقت تشخص آخر، فبذلك الواحد العقلي و الحافظ القدسي صح القول بأن الفلك له ذات واحدة باقية غير داثرة و لا كائنة فاسدة، فيكون له في كل آن هوية أخرى غير الهوية السابقة، و صح القول بأنه يحدث في كل آن منه شخص آخر لا بقاء له في زمانين، و لهذا أطبقت الشرائع الحقة في القول بحدوث العالم جملة لأنه في كل آن يحدث منه شخص غير الذي كان قبله و بعده.
و بالجملة، فالعالم العقلي مصون عن التغير و الفساد، و لكل موجود في عالم الطبيعة صورة باقية في القضاء الإلهي و اللوح المحفوظ عن المحو و الزوال، و له صورة إدراكية في كتاب المحو و الإثبات، و له أيضا صورة أخرى مادية غير إدراكية في المادة الهيولانية التي من شأنها الدثور و الاضمحلال، و هي القدر الخارجي، و الأولى هي القدر العلمي، و كل منهما قابل للتغير و التبدل، ففي الأولى المحو و الإثبات، و في الأخرى الكون و الفساد، و هكذا عند المحققين. و عند بعضهم، أن القدر هو الثانية دون الأولى، و يرون أن المحو و الإثبات لا يكونان إلا في المواد العنصرية، و الصور الجزئية المنطبعة في الفلكيات ثابتة أبدا بحالها من غير استحالة، و التحقيق يصادمه من جهة العقل و القرآن جميعا. و قوم جوزوا المحو و الإثبات في الصور الإدراكية الفلكية دون الصور المادية الخارجية. و نحن بإذن اللّه و توفيقه نرى، أن- المحو و الإثبات في نفوسها و في أجرامها جميعا فيقع في ألواح نفوسها المحو و الإثبات أولا و يتبعها الكون و الفساد في مواد أجرامها ثانيا، ثم في سائر المواد الجزئية العنصرية، و لا شك أن الثاني لازم للأول و كذا الثالث للثاني. و من نطر إلى أحوال عقله و نفسه و بدنه نظرا وجدانيا، يجد أن عقله أمر ثابت من أول العمر إلى آخره، و أن كلا من نفسه الحيوانية و بدنه الطبيعي في التبدل و السيلان، و كما أن بدنه الطبيعي لأجل الحرارة الغريزية و الخارجية في الذوبان و الاستحالة و السيلان، فكذلك هوية نفسه الجزئية الحيوانية المدركة