أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ١٠٢
مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ، يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ». و ذلك اليوم ليس من أيام الدنيا، بل من أيام الآخرة. و كذا في قوله: «يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً وَ تَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً». و كذا قوله: «يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ... لا رَيْبَ فِيهِ» لأن يوم الدنيا يوم التفرقة في الوجود، و يوم الشك. و كذا قوله:
«فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ» لأن وقوع الأشياء فيه على الحق و اليقين. و قوله:
«وَ انْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ» لأن وجود الأشياء الطبيعية من حيث صورها المادية الوضعية مضمحلة مدروسة هناك كاضمحلال الظل عند النور و ذوبان الثلج و الجمد عند الحرور.
فهذه الآيات و أمثالها من الآيات الكثيرة التي تركنا ذكرها مخافة التطويل، مشيرة إلى رجوع هذه الأشياء كلها إلى عالم الآخرة، و رجوع أهل الآخرة كلهم إلى الحق الأول تعالى. و إلى زوال هذا العالم بكله و دثور ما فيها من الصور الحسيه و فنائها يوم القيامة و محو آثارها و تبدل وجودها يوم بروز مكامنها و ظهور حقائقها و كشف بواطنها و نشر صحائف نفوسها و كتب أعمالها على رءوس الجمع، و ذلك بعد خروجها من مقابرها، و هي مقابر أكوانها التدريجية و مدة حركاتها الاستكمالية في دار الدنيا التي هي مقبرة ما في علم اللّه الكائن في صقع الربوبية قبل الورود في مقابر الدنيا و بعد الخروج عنها عند انقضاء مدة مكثها الدنيوي.
تنبيه إن لكل من الروح و الجسد و القلب و القالب قبرا حقيقيا
. أما قبور القوالب و الأجساد فهي مقادير أكوانها التدريجية، و أما قبور القلوب و الأرواح فإلى مأوى النفوس و مرجع الأرواح البشرية، و هي سدرة المنتهى قبل ظهور القيامة الكبرى فاللّه سبحانه أبدع بقدرته الكاملة دائرة العرش و جعلها مأوى القلوب و الأرواح، و أنشأ بحكمته البالغة نقطة الفرش و جعلها مسكن القوالب و الأجساد، ثم أمر بمقتضى قضائه الأزلي للأرواح و القلوب