أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ٤٦
كونه مشعورا به إلى عمل من تجريد أو تلخيص، بل وجوده وجود إدراكي، و هو حي بحياة ذاتية، و هكذا جميع الصور الأخروية سواء كانت محسوسة أو معقولة، و الواجب جل ذكره لكونه بريء الذات عن شوب العدم و الجسمية و التركيب و الإمكان، فهو في أعلى مرتبة المدركية و المدركية و العاقلية و المعقولية، و لأنه مبدأ وجود العقلاء و فياض الصور العلمية على ذواتهم و واهب الروح و الحياة على الكل، فيكون عاقلا لذاته و لسائر الأشياء فإن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول. قال تعالى: «أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ، وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» قوله: «وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ وَ لا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ» و قوله: «لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ» الى قوله: «فِي كِتابٍ مُبِينٍ».
(٥) قاعدة في مراتب علمه تعالى بالأشياء إجمالا و تفصيلا
فمنها، العناية و هي العلم بالأشياء الذي هو عين ذاته المقدسة، و هو العقل البسيط لا تفصيل فيه و لا إجمال فوقه. و العناية علم تفصيلي متكثر، و هي نقش زائد على ذاته تعالى عند أصحاب أرسطاطاليس و أتباعه من المشائين. و التحقيق أنها غير زائدة على الذات و ليس لها محل لما أشرنا إليه سابقا من أن حقيقة الوجود يجب أن يكون كل الأشياء على وجه مقدس عقلي و إليه الإشارة بقوله: «وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْب لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ».
و منها، القلم و اللوح، فالقلم موجود عقلي متوسط بين اللّه و بين خلقه فيه جميع صور الأشياء على الوجه العقلي، و هو أيضا عقل بسيط، إلا أنه دون الحق الأول في البساطة و الشرف. و أيضا: الحق الأول واحد حقيقي بسيط من كل وجه و العقول الفعالة متعددة كثيرة. و إلى تلك الأقلام أشار تعالى بقوله: «وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» و قوله: