أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ١٧٦
وَ لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ و قوله: قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ، و قوله: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ، إلى غير ذلك من الآيات و الحجج و البينات، و مع ذلك فالناس غافلون عنها معرضون عن سلوك الآخرة، كما قال: وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ، و قوله: وَ كَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَ هُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ، إشارة إلى أنهم مع كونهم مارين على منازل الآخرة بحسب الغريزة و الطبع معرضون عنها بحسب الإرادة و الكسب، لآفة و مرض قد طرأت على نفوسهم، و غيرتها عما جبلت عليه، و قوله: وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً، و قوله: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ، و أما سبب إعراضهم عن سلوك طريق الآخرة فهو أشياء كثيرة، لكن مع كثرتها و كثرة شعبها مندرجة تحت ثلاثة أمور، كما قيل: رؤساء الشياطين ثلاثة، شوائب الطبيعة، و وساوس العادة، و نواميس الأمثلة.
أما الأولى فعبارة عن دواعي الطبيعة و شهوات النفس و الهوى المشار إليها في قوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ إلى قوله ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا، و هي كلها حجب و أغطية على القلوب إذا استغرقت فيها و استحكمت تصير غشاوة و طبعا و رينا على مرآة القلب، و عمى على عينه، و وقرا على أذنه، كما في قوله تعالى: فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ وَ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ و جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً*، و قوله: وَ إِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا، و قوله: وَ تَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لا يُبْصِرُونَ، و قوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ، و ذلك لأن السمع و البصر و غيرهما من المدارك التي يمكن بها إدراك الأمور الآخرة ليست هذه الظواهر المادية التي اشتركت فيها سائر الحيوانات مع الإنسان، بل هذه قشور و ملابس على تلك الحواس التي تدرك بها أمور الآخرة، كما أن مدركات هذه المشاعر قشور و قبور و حجب على مدركات تلك المشاعر، و هي الصور الموعودة في الجنان، المستورة عن أعين الخلائق من الإنس و الجان، كما قال: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما