أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ١٨٠
القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران، فالقبر الحقيقي هذه الهيئات و عذابه و ثوابه ما ذكرناه انتهى كلامه.
و اعلم أن ما ذكره هذا العالم النحرير غاية ما يمكن أن يقول هو و من يحذو حذوه من الذين زعموا أن الجزء الباقي من الإنسان بعد الموت ليس إلا جوهرا عقليا لا يصحبه قوة الخيال فضلا عن قوة الحس فصعب عليهم إثبات عذاب القبر و ثوابه على الوجه الإدراك الجزئي الحسي.
و أما نحن بحمد اللّه فلما ذهبنا إلى أن للإنسان غير هذا القشر الطبيعي بدنا نفسانيا ذا حواس جزئية من السمع و البصر و الذوق و الشم و اللمس، يدرك بها الصور و الأشكال الأخروية من المثوبات و العقوبات الموعودة في لسان النبوات، فلا يعسر علينا إثبات كثير من أمور القيامة و ما بعد الموت على الوجه المسموع المنقول.
ثم العجب من هذا القائل و من في طبقته كيف يمكنهم إثبات هذه الإدراكات الجزئية بعد الموت، لأنها التي يتوقف عندهم على الآلات الجسمانية و القوى الطبيعية المادية، و الوهم أيضا عندهم قوة قائمة بجزء من الدماغ فكيف يبقى العرض بعد فساد موضوعه، و الحق عندنا أن الجوهر المتخيل الحساس من الإنسان أمر باق بعد الموت الطبيعي.
قال أعظم المحدثين أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه طاب ثراه:
اعتقادنا في المساءلة في القبر أنها حق لا بد منها، فمن أجاب بالصواب فاز بروح و ريحان في قبره و بجنة نعيم في الآخرة، و من لم يجب بالصواب فله نزل من حميم في قبره و تصلية جحيم في الآخرة، و أكثر ما يكون في عذاب القبر من النميمة و سوء الخلق و الاستخفاف بالبول، و أشد ما يكون عذاب القبر على المؤمن، مثل اختلاج العين أو شرطة الحجام و يكون ذلك كفارة لما بقي من الذنوب التي لم تكفرها الهموم و الغموم و الأمراض، و شدة النزع عند الموت.
قال بعض أهل الكشف و الشهود كل من كشف الغطاء عن بصيرته و شاهد بعين القلب باطنه في الدنيا، لرآه مشحونا بأنواع الموذيات و أصناف السباع، مصورة عنده مثل صورة الغضب و الشهوة و الحقد و الحسد و الكبر