أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ١٩
وقعت الإشارة إلى أن تعليم القرآن من قبل اللّه بأن يتجلى بنور الحكمة الذي هو حقيقة الكلام و نور الإيمان على قلب من كان من عباده الكرام و أحبائه العظام. و بالجملة، القرآن خلق النبي، صلى اللّه عليه و آله، كما مر و سائر الكتب ليست كذلك. و بالجملة من علمه اللّه القرآن بهذا التعليم، كان عليه من اللّه فضلا عظيما، كما قال لحبيبه، صلى اللّه عليه و آله: «وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ، وَ كانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً».
بل نقول التعليم على ثلاثة أقسام: تعليم بشري، و تعليم ملكي، و تعليم إلهي. و الأول، كما لسائر الناس، و الثاني، كما لسائر الرسل «عليهم السلام»، كان يمثل لهم الملك و يعلمهم الكتاب، و الثالث، كما لخواص الأنبياء و عظماء الأولياء عند عروجهم المعنوي إلى اللّه. و إلى هذه الأقسام الثلاثة أشار بقوله:
تعالى: «ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا» فالأول هو التعليم الإلهي، و الثاني هو الملكي، و الثالث هو البشري، فافهم أن كنت من أهله. و لا يفهم هذه الرموز إلا من خرج طائر روحه الأمري من قالبه البشري و نفسه فإنه منطق الطير، و أنت بعد بيضة محبوسة في القشر الصوري، لست من السيارين في أرض الملكوت و لا من الطيارين في جو الجبروت.
وجه آخر من الفرق، إنه قال تعالى: «وَ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ جَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ» و قال: «وَ أَنْزَلَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ» و قال في حق القرآن: «ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ، هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» و الفرق ظاهر بين كتاب فيه هدى للناس و يستوون في هداه الأنبياء و الأمم، و بين كتاب فيه هدى الأنبياء و المتقين من هذه الأمة المخصوصين بالعناية، كما قال: «وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا» وجه آخر، قال: «وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً» و قال في حق القرآن: «فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى» و قال: «يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً».
و الفرق عظيم بين الكتابة و الوحي، و كذا بين الموعظة و البرهان،