أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ١٦
(٥) قاعدة في وجوه الفرق بين كلام اللّه و كتابه
الفرق بين كلامه تعالى و كتابه، كالفرق بين البسيط و المركب كما مر. و قد قيل: إن الكلام من عالم الأمر، و الكتاب من عالم الخلق، و إن الكلام إذا تشخص صار كتابا، كما أن الأمر إذا تشخص صار فعلا، كما قال «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ» و قوله:
«إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون».
فالفرق بين الكلام و الكتاب بوجه، كالفرق بين الأمر و الفعل، فالفعل زماني متجدد كما ستعلم، و الأمر بريء عن التغير و التجدد، و الكلام غير قابل للنسخ و التبديل، بخلاف الكتاب: «يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ، وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ».
فصحيفة وجود العالم الفعلي الخلقي هي كتاب اللّه عز و جل، و آياته أعيان الموجودات «إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ ... لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ».
و أما كلمات اللّه التامات، فهي الهويات العقلية النورية التي وجودها عين الشعور و الإشعار و العلم و الإعلام، و كما أن كتاب اللّه مشتمل على الآيات «تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ»* فكلام اللّه مشتمل على الآيات «تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَق»*.
و اعلم أن الأمر منه تكويني و منه تشريعي، و الأمر التكويني موجب للطاعة و القبول كإطاعة الملك و الملكوت، بخلاف الأمر التشريعي لأنه أمر بالواسطة، فتطرق إليه الإباء و العصيان و الطاعة و الإتيان «فمنهم من أطاع و منهم من عصى».
و اعلم أن النازل على أكثر الأنبياء، عليهم السلام، من اللّه هو الكتاب دون كلام اللّه. و هذا القرآن الذي أنزل على محمد، صلّى اللّه عليه و آله، كلام اللّه و كتابه جميعا باعتبارين، و أما سائر الكتب السماوية المنزلة على سائر