أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ١٦٤
استعداد الجسدية و قوة الظلومية و الجهولية، فصارت الظلومية و الجهولية في حق حامل الأمانة و مؤدي حقها مدحا، و في حق الخائنين فيها ذما.
تبصرة أخرى
اعلم أن لهذه الآية الكريمة تأويلا آخر غير ما مر يشعر بذم الإنسان، كما أن الأول كان مشعرا بمدحه، و هو أيضا يستدعي بيان تمهيد مقدمتين.
إحداهما أن كل ما عدا الإنسان من الأفلاك و العناصر و المركبات و غيرها فلها ضرب من الوصول و الشهود له سبحانه و الفناء عن ذواتها، لانخراط وجود كل منها في وجود علته و فاعله، فإن فاعل كل شيء هو بعينه غايتها و تمامها كما بين في موضعه، فوجود كل معلول لمعة من وجود علته، و وجود كل علة تمام لوجود معلولها، و كذا الكلام في وجود علة العلة بالقياس إلى تلك العلة، و معلول المعلول بالقياس إلى ذلك المعلول، فثبت أن جميع الممكنات المجعولة وجوداتها مضمحلة منطمسة في وجود القيوم تعالى، و جميع أنوارها مستهلكة في سطوع النور الإلهي إلا أفراد الإنسان، فإنهم بواسطة داعية سلطان الوهم و استيلائه عليهم و جهلهم بكيفية الصنع و الإيجاد يزعمون أن لهم وجودا و أنانية و قدرة مستقلة.
و ثانيهما أنه ما من موجود جسماني أو روحاني في هذا العالم إلا و له سلوك وجودي و استحالة ذاتية و حركة معنوية إلى جانب الحق صائرا إياه، كما في قوله: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ، فوجود كل موجود إمكاني بمنزلة أمانة عارية يرد إلى صاحبها آخر الأمر، و ما سوى الإنسان لا يعوق له شيء عن سلوكه سبيل الحق و خروجه عن تحمل هذه الأمانة.
فعلى هذا نقول: المراد من الأمانة، الوجود الفائض على كل موجود، لأن وجودات الممكنات هي بمنزلة أشعة و لوامع لوجود الحق تعالى، فهي ليست قائمة بالممكنات بل قائمة بذاته تعالى، فلما وقع عرض الأمانة يعني بسط ضوء الوجود على هياكل أهل السماوات و الأرض و الجبال، فأبوا أن يحملوها بزعمهم أن لهم وجودا مباينا لوجود الحق، كالإنسان الغير