أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ١٧٥
من بداية واحدة لمبدإ واحد يتشعب منه كل بداية و مبدإ أثر.
و من تنور باطنه بنور اليقين، و شاهد حشر جميع القوى الإنسانية مع تباينها و اختلاف ماهياتها و هوياتها إلى ذات واحدة بسيطة روحانية، و رجوعها إليها و استهلاكها فيها، كما أنها نشأت [١] و انبسطت منها و تكثرت بوحدتها، فالروح منه انبساط أشعة القوى على مواضع البدن، و إليه رجوع أنوارها من محابس مظاهرها، هان عليه التصديق برجوع الكل إلى الواحد القهار، و سهل له سلوك سبيل الاهتداء لهذا المطلب الشريف الذي أكثر الخلق عنه غافلون، و هو «النبأ العظيم الذي عنه معرضون».
أ ما شاهدت يا حبيبي تبدل أجزاء العالم و طبائعها في كل لحظة؟
و أ ما رأيت أنها متزايلة متبدلة دائما بعضها إلى بعض بحركة جوهرية ذاتيه و توجها جبليا إلى مبدإها و أصلها، كما قال: وَ لِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ*، و قال: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ، قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً [٢] أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ.
(٣) قاعدة في معرفة طريق الآخرة و منشإ إعراض الخلق عن سلوكها
اعلم أن طريق الآخرة سهلة يسيرة غير وعرة و لا صعبة، و النفوس مجبولة على سلوكها، لأنها التي وقع المرور عليها عند المجيء من ذلك العالم إلى الدنيا، و قد علمت أن الطبائع كلها متوجهة إلى الغايات، ثم إن هذا الطريق واضحة و العلامات منصوبة، و الهداة قائمون، و القواد موجودون، و المعلمون من قبل اللّه مرسلون، و الكتب و الرسائل منزلة، كما قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْمِيزانَ، و قوله:
[١] - تعليل و دليل الرجوع القوى إلى ما نشأت منه كما بدأكم تعودون (نوري قدس سره)
[٢] كأنه إشارة إلى عموم رجوع كل شيء بأية صورة كانت و رجعت و عادت فافهم كما قال لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض و لا في السماء إلا أنه بكل شيء محيط (نوري قدس سره)