أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ٩
و قوله: «بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ»، و قوله: «أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، وَ اتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ» و قوله تعالى: «وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً».
و توضيح ذلك بالبيان الحكمي: أن الروح الإنسانية من جهة أن من شأنها أن يتجلى فيها الأشياء مشابهة للمرآة، لكن هذه الحالة في أول الفطرة للنفس أمر بالقوة لكل أحد من الناس ثم يصير بمزاولة الأعمال و الأفعال خارجة من القوة إما إلى الفعل و الكمال، أو إلى البطلان و الزوال. فإذا وقع الإنسان في السلوك العلمي و الرياضة الدينية و التكاليف الشرعية التي هي بمنزلة تصقيل المرآة يخرج النفس من القوة إلى الفعل و يصير عقلا بالفعل بعد ما كانت عقلا بالقوة، فيكون كمرآة مجلوة يتراءى فيها صور الموجودات على ما هي عليها، و إذا لم يقع في هذه الطريقة و هي الصراط المستقيم المذكور في القرآن و لم يخرج ذاته في طريق الآخرة بالتصفية و الرياضة و التطهير و التنوير من القوة إلى الفعل، بل سلك مسلك الدنيا و صارت نفسه متدنسة بدنس الشهوات، متنجسة برجس الفسوق و السيئات، بطلت فيه القوة و الاستعداد، لأن يصير منورة بأنوار العلوم، و لأن يتجلى فيها حقائق الأمثال و الرسوم، و لأن يكون عقلا و معقولا بالفعل لا بالقوة. و بالجملة، قد بطلت القوة و زالت الفرصة بالكلية و صارت النفس حسا بالفعل بعد ما كانت عقلا بالقوة، و ظلمة بالفعل بعد ما كانت نورا بالقوة، و بهيمة أو شيطانا بالفعل بعد ما كانت ملكا بالقوة، كحديد كان أولا قابلا للإذابة و التصقيل لتظهر فيها مثل المحسوسات فإذا غاص في جرمه الرين و النداوة و الوسخ، بطل استعداده في كونه مرآتا، فكذلك إذا بطل استعداد النفس لأن يكون جوهرا إدراكيا و وجودا علميا، صارت جوهرا من جواهر الدنيا بالفعل، و كل ما كان الشيء جوهرا دنيويا ظلمانيا بالفعل، يحترق في الآخرة بنار السعير، إذ الدنيا و ما فيها يجاء بها يوم القيامة بصورة نار جهنم و شرارتها و ظلماتها فيحترق بمن فيها، كما في قوله تعالى: «وَ جِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَ أَنَّى لَهُ الذِّكْرى» و قوله:
«وَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ، لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّب وَ يَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً، فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ». و قوله: «وَ قالُوا لَوْ كُنَّا»