أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ١٣٢
أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ، تنبيها على أنهم لو تدبروا أنفسهم و عرفوها، عرفوا بمعرفتها حقائق الموجودات فانيها و باقيها، و عرفوا بها حقيقة السماوات و الأرض، و لما أنكروا البعث الذي هو لقاء ربهم و قال:
«سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ، و قال: وَ فِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ.
و الثالث أن من عرف نفسه عرف العالم، و من عرف العالم صار في حكم المشاهد للّه تعالى، لأنه خالق السماوات و الأرض، و لم يك كالكفرة الجهلة الذين اتكلهم اللّه و وبخهم في جهلهم و انحطاطهم عن هذه المنزلة، فقال فيهم: ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً.
و الرابع أنه يعرف بمعرفة روحه العالم الروحاني و بقاءها، و بمعرفة جسده العالم الجسداني و دثورها و فناءها، فيعرف خسة الفانيات الداثرات، و شرف الباقيات الصالحات، كما قال: الْمالُ وَ الْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَ خَيْرٌ أَمَلًا.
و الخامس أن من عرف نفسه عرف أعداءه الكامنة فيها المشار إليه بقوله صلى اللّه عليه و آله «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك» فيستعيذ منها، كما في قولهم عليهم السلام: «اللهم ألهمني رشدي و أعذني من شر نفسي، و قوله: لا تكلني إلى نفسي طرفة عين فأهلك»، و من عرف أعاديه الكامنة و مكايدها و كيفية انبعاثها، أحسن أن يحترز منها و أن يجاهدها، فيستحق ما وعد اللّه به المجاهدين في سبيله، و من لم يعرفها فجدير أن يتراءى له عدوه الذي هواه بصورة العقل، فيسول له الباطل بصورة الحق، كما قال: أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ، و قوله: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ، و كما ورد في قوله صلى اللّه عليه و آله: الهوى شيطان، و قوله: الهوى إله يعبد من دون اللّه، و روي أيضا أنه قال: ما عبد في الأرض إله أبغض إلى اللّه تعالى من الهوى، ثم تلا أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ.