أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ٢٢
أخذ الزاد و الاستعداد برياضة المركب و علف الدابة لسفر المعاد، و المقصود منه كيفية معاملة الإنسان مع أعيان هذه الدنيا التي بعضها داخلة فيه، كالنفس و قواها الشهوية و الغضبية برياضتها و إصلاحها حتى لا يكون جموحا بل رائضة حمولة يصلح للركوب في السفر إلى الآخرة و الذهاب إلى الرب تعالى، كما في قوله تعالى حكاية عن الخليل عليه السلام: «إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ» و هذا العلم يسمى تهذيب الأخلاق. و بعضها خارجة، إما مجتمعة في منزل واحد كالوالد و الولد و الأهل و الخدم، و يسمى تدبير المنزل، أو في مدينة واحدة أو أكثر، و يسمى علم السياسة و أحكام الشريعة، كالقصاص و الديات و الأقضية و الحكومات و غيرها، فهذه ستة أقسام من مقاصد القرآن و نحن نقتصر في هذا الكتاب على إيراد القواعد المتعلقة بالثلاثة المهمة التي هي بالحقيقة أركان الإيمان و أصول العرفان، و قد فتح اللّه على قلبنا من أبوابها ما لم يذكر في شيء من المصنفات من أسرار الآيات و رموز الكلام الإلهي.
و أما قواعد العلوم الفرعية
فقد نصب اللّه لها أقواما قد استفرغوا جهدهم في تحصيلها و فنوا أعمارهم في شرحها و تفصيلها شكر اللّه حسنات مساعيهم و أثابهم جنات الأعمال جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ*.
فالمقصد الأول، و هو المعروف بمعرفة الربوبية مشتمل كما أشرنا إليه على ثلاث مراتب
: معرفة الذات الإلهية، و معرفة صفاتها و أسمائها، و معرفة أفعالها.
أما معرفة الذات
، فهي أضيقها مجالا، و أرفعها منالا، و أبعدها عن الفكر و الذكر، إذ حقيقة الواجب، جل مجده، هوية بسيطة غير متناهية الشدة في- النورية و الوجود، و حقيقته عين التشخص و التعين، لا مفهوم له، و لا مثل و لا- مجانس و لا مشابه، و لا حد له، و لا برهان عليه، بل هو البرهان على كل شيء فلا أعرف من ذاته و لا شاهد عليه، بل هو الشاهد على الكل «أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، و هو القائم عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ*، وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّوم» و ليس للمعلول المقهور عليه أن يحيط بعلمه العلة له و القاهر عليه، و إلا، لانقلب المعلول علة، و المقهور