أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ١٣
تفاصيل العلوم النفسانية.
و الثاني، إشارة إلى العلم النفساني المتكثر بصور عقلية حاصلة في النفوس الفاضلة، و ربما يحصل الثاني دون الأول لكن الأول لا ينفك عن الثاني، فكل قرآن لا ينفك عن الفرقان دون العكس، و نفس نبينا، صلى اللّه عليه و آله، في مقام قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى عقل بسيط قرآني متحد مع المعقولات كلها، و هو قلم الحق الأول، و كلامه بوجه و هو كلمة اللّه التامة التي فيها جوامع الكلم، كما في قوله، صلّى اللّه عليه و آله: «أوتيت جوامع الكلم» و في مقام آخر لوح نفساني فيه تفاصيل العلوم و صور الحقائق المرسومة فيه من قبل قلم الحق الفعال لصور العلوم، و تلك الصور أو محلها هو الكتاب الفرقاني، فهذا المصحف الذي بين أظهرنا قرآن بوجه و فرقان بوجه، و هو كلام اللّه بوجه و كتابه بوجه، و سينكشف لك وجوه الفرق بين كلام اللّه و كتابه، و أن المنزل على سائر الأنبياء كتابه لا كلامه، و أن ذلك فرقان لا قرآن. إذا علمت هذا فاعلم، أن من أسمائه نور، لأنه نور عقلي ينكشف به أحوال المبدإ و المعاد، يتراءى به حقائق الأشياء، و يهتدى به في سلوك يوم القيامة و طريق الجنة، كما قال تعالى: «ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» و قال:
«قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» فقوله:
«نُورٌ» إشارة إلى مرتبة العقل القرآني البسيط. و قوله: «كِتابٌ» إشارة إلى مرتبة العلم التفصيلي، كما قال: «كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ» و قال: «كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ» و قال: «تَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ».
و من أسمائه العظام الحكمة، كما في قوله: «وَ آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ الْخِطاب» فإن الموجودات أعني الممكنات متميزة حال عدمها الكوني في علم اللّه الواحد و يعلم اللّه تعالى بعلم واحد بسيط صور جميع الأشياء، و يراها و يأمرها بالتكوين بأمر واحد هي كلمة كن الوجودي، فما عند اللّه إجمال، بل الأمر كله في نفسه، و في علم اللّه مفصل، و إن كان كله معلوما بعلم واحد لكن معلوماته كثيرة،