أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ١١٢
حفظه كقوله: «سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى»، و برهان قوة علمه قال علي عليه السلام:
علمني رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ألف باب من العلم فاستنبطت من كل باب ألف باب، و إذا كان حال الولي هكذا فكيف حال النبي المعلم، و أما برهان قوته المحركة العملية فلعروجه بجسده النوراني إلى أقصى عالم السماوات و هو سدرة المنتهى، و بروحه المقدس إلى قاب قوسين أو أدنى، و أما برهان عقله العملي فقوله: إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، و قوله: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.
(٥) قاعدة في حقيقة الدنيا و الآخرة
قال اللّه تبارك و تعالى أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ إلى قوله وَ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ، و قال: وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ، و قال: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ إلى قوله فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ و قال: كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَ وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ.
و اعلم أن الدنيا من عالم الملك و الشهادة، و الآخرة من عالم الملكوت و الغيب، و ربما قيل: إن الدنيا عالم المحسوسات و الآخرة عالم المعقولات، و هذا غير سديد عندنا، و إنما هو قول جمع من الفلاسفة المنكرين للمعاد الجسماني، و لوجود الجنة و النار الجسمانيين، و الأجود أن يقال إن الدنيا عالم الكون و الفساد، و الآخرة دار القرار، أو يقال: إن الدنيا عالم الظلمات، و الآخرة عالم النور، أو يقال: إن الدنيا عالم الموت، و الآخرة عالم الحياة، و اللّه تعالى هو الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ و جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ، يعني الدنيا و الآخرة.
و توضيح ذلك على نسق البرهان العقلي أن الصورة التي يتعلق بها العلم و الإدراك على ضربين، إما صورة مادية مغموسة في المادة، التي شأنها العدم و القوة و قبول الكثرة و الانفصال و التباعد في الجهات، و