أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ٩١
و كل ما فيه حادث زماني، و الغرض الأقصى من خلق السماوات و إدارة الأفلاك و تسيير الكواكب و جريان الأمور على وفق القضاء الإلهي و القدر الرباني بتبليغ الأشياء إلى غاياتها الذاتية و خيراتها الأصلية، و إزالة شرورها و نقائصها عنها، ليكون العالم كله خيرا محضا لا شر فيه و نورا لا ظلمة فيه و تماما لا نقص فيه وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، إذ لا شك أن الدنيا طافحة بالشرور و الآفات مشحونة بالمحن و الآلام، و النقائص و الأعدام «يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ».
فالغرض من أصل الإبداع وجود الباري و فيضه أن يصل كل ناقص إلى كماله، و تبلغ المادة إلى صورتها، و الصورة إلى معناها و نفسها، و أن تلحق النفس إلى درجة العقل و مقام الروح، و هناك الراحة المطلقة و الطمأنينة التامة و السعادة القصوى و الخير الأعلى و النور الأتم، و هذا هو المقصد الأقصى و اللباب الأصفى في بناء الأرض و السماء و جرى سفينة الهيولى في الطوفان الدنيا، و لأجله مجيء الأنبياء و الرسل من ملكوت السماء بالوحي و الأنباء و الكتاب و الدعاء، ليزول الشر و ينقرض الظلمة و أهلها و يعود الكائنات إلى ما بدئ منه، فيصير لاحقا به فيتم الحكمة و تصعد الكلمة و تكمل الخلقة، و تزول الدنيا و تقوم القيامة و تجيء الساعة و ينمحق الشر و أهله، و ينقرض الكفر و حزبه، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَ يُبْطِلَ الْباطِلَ. فاحفظ يا حبيبي بهذا العلم المخزون و السر المكنون الذي لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ.
فمن الآيات الدالة على دثور العالم و زواله و انقطاعه قوله تعالى:
«إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ، وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها وَ حُقَّتْ، وَ إِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَ أَلْقَتْ ما فِيها وَ تَخَلَّتْ وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها وَ حُقَّتْ ...» فانشقاق السماء لخروج روحها و نفسها عن مضيق هذه النشأة الناقصة استماعا و إجابة لداعي الحق. ليصير متحققة بالوجود الحقاني بعد الموت عن الوجود الطبيعي و النفساني، و المعنى، أنها فعلت في انقيادها للّه حين أراد انشقاقها فعل المطواع الذي إذا ورد عليه الأمر من جهة المطاع، أنصت له و أدغن و لم يأب و لم يمتنع، كقوله تعالى:
«أَتَيْنا طائِعِينَ» و مد الأرض انبساطها و زوال كل اعوجاج و امتتاء و عقد و