أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ١٠٩
الأجساد البشرية أن يحصل منها الأرواح الناطقة، و من الأرواح الناطقة أن يحصل خليفة اللّه في أرضه، كما دل عليه بقوله: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» فحقيقته الباطنية هي الروح الأعظم، و النفس الكلية وزيره و ترجمانه، و الطبيعة عامله و رئيسه، و العملة من القوى الطبيعية جنوده، و كذلك إلى آخره. و أما صورته الظاهرة فصورة العالم من العرش إلى الفرش و ما بينهما من البسائط و المركبات، فهذا هو الإنسان الكبير المشير إليه قول المحققين، العالم إنسان كبير. و إنما سمي إنسانا، لإمكان وقوع الإنس بينه و بين الخلق برابطة الجنسية و واسطة الإنسية و أرادوا بالعالم حقيقة العالم و ذاته و روحه الأعظم أعني العقل البسيط الذي اندمجت فيه صورة ما في العالم ظاهره و باطنه، و هو أول ما خلق اللّه و أبدعه. و أما قولهم:
الإنسان عالم صغير، أرادوا به الكمل من أفراد البشر، و هو خليفة اللّه في الأرض لقوله في حق آدم «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» و قوله: «يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ».
و الإنسان الكبير خليفة اللّه في السماء و الأرض، و ماهيتهما واحدة، و هذا الإنسان نسخة منتسخة و نخبة منتخبة من الإنسان الكبير بمثابة الولد من الوالد، فله أيضا حقيقة باطنة و صورة ظاهرة، أما حقيقته الباطنة فالروح الجزئي المنفوخ من الروح الأعظم، نسبته إلى ذلك كنسبة الشعاع إلى الشمس، فكذلك عقله الجزئى و نفسه الشخصية و الطبيعة الشخصية، و أما صورته الظاهرة فنسخة منتخبة من صورة العالم الظاهر، فيها من كل جزء من أجزاء العالم، لطيفها و كثيفها قسط و نصيب، فسبحان من صانع جمع العالم في واحد.
من كل شيء لبة و لطيفه، مستودع في هذه المجموعة و صورة كل شخص كامل نتيجة صورة آدم و حواء، و معناه نتيجة الروح الأعظم و النفس الكلية اللذين هما آدم كلي و حواء كلية، و من هذا يصح أن يقول الكامل من أولادهما.
و إني و إن كنت ابن آدم صورة
فلي فيه معنى شاهد بأبوتي