أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ٦
تنبيه
اعلم أن الكفر الذي هو منشأ العذاب الأليم الشديد هو ضرب من الجهل أعني المركب مع الاعتقاد المشفوع بالاستكبار و العناد، لا مجرد الجهل البسيط بالمعارف و لذلك وصف اللّه تعالى أولئك الكافرين بمحبة الدنيا و الصد عن سبيل اللّه و طريق الحق و الضلال و الاعوجاج عن سبيله. قوله تعالى:
«وَ يُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ، أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً وَ أَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً» قوله تعالى: «مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً» وَ مَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَ سَعى لَها سَعْيَها وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً، إلى قوله: «لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا» قوله تعالى: «ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ» أي معرفة الحق لذاته و عمل الخير لأجله «وَ لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً» قوله تعالى:
«فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ، وَ يَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً، وَ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَ خَيْرٌ مَرَدًّا، يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً، وَ نَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً» أي غاية سكون العارفين و ما يئول إليه سعيهم هو اللّه و غاية مسلك الجهال المنهمكين في الدنيا و شهواتها إلى النار.
و اعلم أن الوصول إلى اللّه خير من كل نعيم و سعادة، لأن كل خير و كمال و نعيم و سعادة في الدنيا و الآخرة رشح من بحر وجوده و فيض من نور شهوده. و قوله تعالى: «إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً، فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَ لا يَحْيى» إذ ليس له الحياة الدنيوية الحسية، لأنها بطلت، و لا الحياة الأخروية أعني حياة العلم و المعرفة، لأنها ما حصلت، و لا ما اكتسبت. قوله تعالى: «وَ مَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى إلى قوله: وَ ذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى» أي تجردت نفسه عن الهيئات الدنية و الأغراض الدنيوية، مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً خالِدِينَ فِيهِ وَ ساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا.