أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ٨٩
«لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ، مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ، تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا» و قال مشيرا إلى يوم الربوبية «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ» و ذلك لأن وراء هذه النشأة الدنياوية نشأتان أخرويتان: إحداهما، صورية حسية و هي المنقسمة إلى جنة محسوسة و نار محسوسة، و الأخرى، معنوية و هي عالم الحضرة الإلهية، مرجع الأرواح العقلية و الأعيان الثابتة، ففي كل ألف سنة يرتقي الصور الكونية الأرضية على التدريج إلى عالم النفوس السماوية المدبرة لأجرامها، ثم في كل سبعة ألف سنة و هو أسبوع واحد من أيام الربوبية ينتقل جميع صور ما في السماوات و ما في الأرض إلى عالم الآخرة و يقوم قيامة وسطى على النفوس بنفخة الفزع، ثم في مدة خمسين ألف سنة و هي سبعة أسابيع التي كل منها سبعة آلاف سنة مع الكبائس و الكسورات يقع الفناء الكلي للأرواح بنفخة الصعق و ينتقل الأمر كله إلى الواحد القهار.
و بيان ذلك: أن اللّه خلق الوجود ثلاثة: دنيا و برزخا و أخرى، فخلق الجسم عن الدنيا و النفس عن البرزخ و الروح عن الآخرة، و جعل الوسائط الناقلة لتنوعات عالم الإنسان ثلاثة، ملك الموت و نفخة الفزع و نفخة الصعق، فالموت للأجسام و نفخة الفزع للنفوس و نفخة الصعق للأرواح، فإذا أراد اللّه تعالى نقل الأنفس من الدار البرزخ حين كمل اليوم البرزخي للآدمي و هو سبعة أيام من أيام الربوبية التي كل منها منسوب إلى إحدى الكواكب السيارة، نقلت الأنفس من البرزخ بنفخة الفزع و يعاد إليها الأجسام الدنيوية، قال اللّه تعالى: «وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ وَ كُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ» و قوله: «كُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ» إشارة إلى أن نفخة الفزع مختصة بنقل الأنفس إلى الأرواح، و قوله: «يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ» إشارة إلى أن نشأة أخرى تكون بعد صعق الأرواح، حين يقول سبحانه: «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ...» فلا يجيبه أحد و يجيب نفسه لنفسه فيقول:
«لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ».