أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ٦٢
(١٣) قاعدة في كيفية نزول القضاء من عند اللّه و بروز الأحكام من مكامن الغيب إلى مظاهر الشهادة
. اعلم أنه تعالى قد عظم أمر السماء، و جعلها واسطة الأرزاق و قبلة الدعوات، و رفع الحاجات، قال: «وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ» إذ جعلها منشأ الحركات الكلية، و حدوث الكائنات، و تولد النباتات و الحيوانات، سيما نوع الإنسان الفائق بنفسه الناطقة، العارفة لربها على سائر الأكوان، و ذلك لأجل أنه جعلها ذوات نفوس ناطقة كاملة متشوقة إلى لقاء اللّه، عاشقة لملكوته الأعلى، طائفة حول كعبة الجلال، فلها إدراكات و إرادات عقلية بنفوسها الكلية، و لها أيضا إدراكات و إرادات بنفوسها الحيوانية الجزئية، كحال نفوسنا المدركة للكليات المريدة إرادة كلية من جهة العقل، و المدركة للجزئيات المريدة إرادة جزئية من جهة قوة التخيل، كل بحسب مرتبة و مقام، و كل منها يشتاق إلى جوهر قدسي مفارق، هو مفيض وجودها و مكملها القريب، تقربا إليه و تشبها به، لإدراكها لذلك الكمال الذي من شأنها التشبه به، و الخروج من القوة إلى الفعل بسببه، و التقرب إلى المبدإ الأعلى بواسطته، فإن النفس بحسب الكمال العقلي بالقوة و الإمكان، و شأنها أن يخرج من- القوة إلى الفعل، و من الإمكان إلى الوجوب، و هذا الخروج لا محالة بحركة، و الحركة لا يكون إلا لتعلق بمادة جسمانية، لأن المفارق عن الجسم بالكلية المجردة عن المادة رأسا لا حركة له، فحركة السماء نفسانية تابعة لحركة جسمانية، فلا بد فيها من إرادة كلية و أخرى جزئية. أما الأولى، فلأن أغراض الفلك ليست كأغراض الحيوان العنصري شهوية أو غضبية، أو لأجل طلب غذاء أو لدفع آفة أو عدو، إذ أجسادها ليست مخلوقة من العناصر المتضادة المتكونة من مادة ناقصة غير مستكملة بالصورة حتى يحتاج إلى التكميل و التعديل و التصوير، و ليس لصورة جسمها ضد و لا لنفسها مرض، فليس لها شهوة و لا غضب، لأن حركتها