أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ١٢٨
عن أعلى عليين إلى أسفل السافلين، و لذلك قال: وَ لَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، و قال: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ، و هؤلاء هم المنافقون الذين هم أسوأ حالا من الكفار المحضة، لأنهم المحجوبون أزلا و أبدا.
و اعلم أن التحقيق يقتضي أن قوله: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ مختص ببعض أفراد الناس كما ستعلم، و بالجملة ظهر أن المقصود الأصلي من إيجاد الكائنات هو الإنسان الكامل الذي هو خليفة اللّه، قوله تعالى: وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، و قوله: إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ، و قوله: ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْس إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، و قوله، يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ، و قوله: وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَ رُسُلَهُ، و قوله: وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها، كل ذلك إشارة إلى أنه لا يستصلح لخلافة اللّه و عمارة الدارين إلا الإنسان الكامل، و هو الإنسان الحقيقي مظهر اسم اللّه الأعظم كما نبه بقوله: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ.
(٦) قاعدة في ذكر العناصر التي منها تكون الإنسان
و اعلم أنه ذكر اللّه تعالى في غير موضع من القرآن العناصر التي منها أوجد الإنسان و نبه على أنه جعله إنسانا في سبع درجات، و أشار إلى ذلك في عدة مواضع مختلفة حسب ما اقتضت الحكمة، فقال في موضع خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ إشارة إلى المبدإ الأول، و في آخر مِنْ «طِينٍ»* إشارة إلى الجمع بين التراب و الماء، و في آخر من «حَمَإٍ مَسْنُونٍ»* إشارة إلى الطين المتغير بالهواء أدنى تغير، و في آخر «مِنْ طِينٍ لازِبٍ» إشارة إلى الطين المستقر على حالة من الاعتدال يصلح لقبول الصورة، و في آخر «مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ»* إشارة إلى يبسه و سماع صلصلة منه، و في آخر «مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ» و هو الذي قد أصلح بأثر من النار فصار كالخزف، و بهذه القوة