أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ١٤٠
يشارك و يعاون، فجعل لكل قوم صنعة و هيئة مفارقة للصنعة الأخرى و هيئاتها، فقسمت الصناعات بينهم كما قال: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ، فيتولى كل صنعا من الصناعات فيتعاطاه باهتزاز، كما قال: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، فاقتضى ذلك أن يختلف جثثهم و قواهم و هممهم و أغراضهم، ليكون كل ميسرا لما خلق له، و قال: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ، فيكون معايشهم مقتسمة بينهم كما نبه تعالى بالآيات المتقدمة و يمثل قوله: وَ لَوْ لا أَنْ يَكُون النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ، فالناس إذا اعتبروا من حيث اختلاف أغراضهم و دواعيهم و هممهم فهم في تعاطي صناعاتهم في حكم المسخرين، و إن كانوا في الظاهر من المختارين، و قد وقعت الإشارة إلى ما يتعلق بالمصلحة بتباين الناس في ما روي أنه قال صلى اللّه عليه و آله: لا يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا.
تذكرة فيها تبصرة
و اعلم أن أسباب تفاوت الناس في الصنائع و الأغراض أمور سبعة.
أولها اختلاف الأمزجة و تفاوت الطينة و اختلاف الخلقه، كما أشير إليه فيما روي «إن اللّه لما أراد خلق آدم أمر أن يؤخذ قبضة من كل أرض فجاء بنو آدم على قدر طينتها الأحمر و الأبيض و الأسود و السهل و الحزن و الطيب و الخبيث»، و إلى هذا أشار بقوله: وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ الَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً، و بقوله: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ.
و ثانيها اختلاف أحوال الوالدين في الصلاح و الفساد، و ذلك أن الإنسان قد يرث من أبويه آثار ما هما عليه من جميل السيرة أو قبيحها، كما يرث تشابههما في خلقتهما، و لهذا قال تعالى: وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً، و على نحو ما روي أنه قال في التوراة إني إذا رضيت باركت، و إن بركتي