أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ١٧٧
أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ، و إدراكها متوقف على نزعها من القشور و إخراجها عن موادها التي هي كالقبور، «كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ» و إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ* و الأبصار، فمن نظر اعتبر و من اعتبر عبر.
و أما وساوس العادة فهي تسويلات النفس الأمارة بالسوء و تزيينها الأعمال الغير الصالحة، و ترويجها الاعتقادات الكاسدة، و تصويرها الآراء الفاسدة بصورة الحق، و منشؤها قوة الخيال و الوهم، كما أن منشأ القسم الأول قوة الطبع و الحس، «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً.
و أما نواميس الأمثلة فهي كمتابعة أهل الضلال و تقليد المشهورين بالفضل و الدراية، و استهواء الشياطين من الإنس، أعني علماء السوء، و إجابة دعوتهم و تتبع آرائهم الفاسدة و اقتفاء آثارهم المغوية المضلة، قوله تعالى: وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ، إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً*، و قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ ...، و قالوا رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ، و هذا سد عظيم و حجاب شديد وقع على أكثر الناس أعني تقليد الجهال المتشبهين بالعلماء، من الجدليين الضالين المضلين المكذبين لأنبياء اللّه و هم لا يشعرون، و هم الذين قال اللّه فيهم: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لا هُدىً وَ لا كِتابٍ مُنِيرٍ ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، و قال: مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَ يَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ، و قال: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَ خَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ.