أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ١١٠
و كذلك كل واحد من أفراد البشر ناقصا أو كاملا كان له نصيب من الخلافة بقدر حصة إنسانية، لقوله تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ، مشيرا إلى أن كل واحد من أفاضل البشر و أراذلهم خليفة من خلفائه في أرض الدنيا، فالأفاضل مظاهر جمال صفاته تعالى في مرآة أخلاقهم الربانية، و هو سبحانه تجلى بذاته و جميع صفاته لمرآة قلوب الكاملين منهم، المتخلقين بأخلاق اللّه، ليكون مرآة قلوبهم مظهرا لجلال ذاته و جمال صفاته، و الأراذل يظهرون جمال صنائعه و كمال بدائعه في مرآة حرفهم و صنائعهم، و من خلافتهم أن اللّه استخلفهم في خلق كثير من الأشياء كالخبز و الخياطة و البناء و نحوها، فإنه تعالى يخلق الحنطة بالاستقلال و الإنسان بخلافته يطحنها و يعجنها و يخبزها، و كالثوب فإنه تعالى يخلق القطن و الإنسان يغزله و ينسج منه الثوب بالخلافة، و على هذا قياس في سائر الصنائع الجزئية و الحرف.
(٤) قاعدة في الحقيقة المحمدية مظهر اسم اللّه الجامع الأعظم
«يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ إلى قوله مُسْتَقِيماً» قد تقرر في العلوم الإلهية أن الحق تعالى برهان على كل شيء كما قال أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ و قد ثبت أيضا أن المبدأ عين الغاية و البداية عين النهاية، و أن اللّه فاعل كل شيء، و أن الإنسان الكامل الذي لا أكمل منه غاية المخلوقات، «لولاك لما خلقت الأفلاك»، فإذن يجب أن يكون هو البرهان على سائر الأشياء، كما قال وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً.
و من الشواهد الدالة على هذا المطلب أن اللّه أعطى لكل نبي آية و برهانا و جعل نفس النبي الخاتم برهانا فقال قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ، و ذلك لأن برهان الأنبياء كان في أشياء غير أنفسهم، مثل برهان موسى في