أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ٢٧
وجوده، و محدد يحدده بحد الخاص، و يخرجه من القوة إلى الفعل، و من الإمكان إلى الوجوب، إذ كل ما ليست حقيقته حقيقة الوجود فلا يقتضي ماهيته وجود، و لا هويته حدا خاصا من الوجود، فيحتاج إلى قاهر عليه محدد له مفيد لمرتبة المعين في الوجود، و ذلك المقتضي يجب أن يكون مقدما في الوجود على الجميع تقدم البسيط على المركب، و الواحد على الكثير، و التام على الناقص، و الغني على الفقير، و الفياض على المفاض عليه فحقيقة الحق الأول هو البرهان على ذاته و البرهان على كل شيء، كما قال جل شأنه: «أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» فهذه سبيل الصديقين الذين يتوسلون به إليه و يستدلون به عليه و يستشهدون بوجوده على سائر الأشياء لا بوجود الأشياء عليه، كما في طريقة غيرهم من السالكين الذين يستدلون بوجود الأثر على الصفات و بالصفات على الذات، و هي طرق كثيرة، أجودها منهجان:
أحدهما، معرفة النفس الإنسانية وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ، و هذا أجود الطرق بعد طريق الصديقين، لأن المسلك هاهنا عين الطالب و في طريقهم عين المطلوب.
و ثانيهما، النظر في الآفاق و الأنفس، كما أشار إليه تعالى: «سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ» و في القرآن آيات كثيرة في هذا المنهج، قد مدح اللّه على الناظرين في خلق السماوات و الأرض، و أثنى على المتفكرين في آثار صنعه و جوده.
(٢) قاعدة في تحقيق الإيمان باللّه و اليوم الآخر
، قال اللّه تعالى: «آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْه مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ ...» و قال:
«وَ مَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً» دلت الآيتان على أن الإيمان يحصل بمعرفة هذه الأمور و التصديق بها و قال: