أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ٧٧
«وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ و سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ»* إلى غير ذلك من الآيات.
الخامس، الصناعة و هي المهنة و هي التي استعبد الإنسان فيها و استخلفه، و هي الأشياء التي يحتاج صنعة أكثرها إلى ستة أشياء. إلى عنصر يعمل منه، و إلى مكان، و إلى زمان، و إلى حركة، و إلى أعضاء، و إلى آلة. و هذا الضرب خص الإنسان به و لم يستصلح لها الملائكة كما استصلح الملائكة لأمور لم يستصلح لها الناس، و جعل لكل ملك مقاما معلوما «وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ» و كذا جعل لكل من أصناف الناس مقاما معلوما كما نبه بقوله: «قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ» و قوله: «كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ»* و قوله صلّى اللّه عليه و آله: «كل ميسر لما خلق له» و لكن عامة الملائكة، لا يعصون اللّه في ما أمرهم، وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ*، لبساطتهم و عدم تركبهم من أمشاج. و الناس فيما أمروا و كلفوا بين مطيع و عاص، فهم على القول المجمل ثلاثة أضرب: ضرب أخلوا بأمره و انسلخوا عما خلقوا لأجله و اتبعوا خطوات الشيطان و عبدوا الطاغوت. و ضرب وقفوا بغاية جهدهم حيثما وقفوا كالموصوف بقوله: «وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً». و ضرب ترددوا بين الطريقين كما قال: «خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً» فمن رجح حسناته على سيئاته، فهو موعود بالإحسان إليه.
و على الأنواع الثلاثة دل بقوله: «وَ كُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً، فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ» و على هذا قسم في آخر السورة و قال: «فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، فَرَوْحٌ وَ رَيْحانٌ وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ ...».
و كثير من الناس يعصون اللّه و لا يأتمرون له و لكن يستعملهم اللّه تعالى بغير إرادة للسعي في تصرفه من حيث لا يشعرون، كفرعون في أخذ موسى ابنا له و تربيته إياه، و كجمعه السحرة في إيمانهم باللّه و بموسى، و كإخوة يوسف في فعلهم بيوسف ما أفضي به إلى ملك مصر و تمكنه مما مكن فيه، و يكون مثلهم في ذلك كما قيل:
قصدت مساءتي فاجتلبت مسرتي
و قد يحسن الناس من حيث لا يدري