أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ١٧٨
(٤) قاعدة في نتائج الإعراض عن سلوك سمت المعاد بتكميل النفس و تطهيرها
، و تنوير القلب و تهذيبه، و هي الظلمة و ضيق الصدر و عذاب القبر و الاحتراق بنار الجحيم و الحرمان عن لذات النعيم و الاحتجاب عن جمال رب العالمين.
و ذلك لما مر أن قوام النشأة و حياة القلب أنما يكون بالعلم و المعرفة فمن لا علم له لا قوام لنفسه و لا حياة لقلبه و لا نور له.
و اعلم أن دار الآخرة دار حيوانية علمية، و وجودها وجود إدراكي، ليست كدار الدنيا التي هي دار الموت و الزوال و الجهل و الظلمة، قال تعالى إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ، فبقدر نور المرفة تكون قوة السعي و سرعة المشي إلى منازل الآخرة، قال يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ، فمن لا نور له لا عيش له هناك، قوله وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى.
و اعلم أن للعمى مراتب، أعني عمى القلب الحقيقي «فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ»، و المراد من الصدر أيضا الصدر المعنوي الذي هو النفس الحيوانية البشرية المدركة للجزئيات، و تلك المراتب هي مثل الغشاوة، فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ، و الختم، «خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ»، و الطبع، «بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ»، و الرين «كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ»، و هذا غاية مراتب العمى المؤدية إلى الحرمان و اليأس و أعظم الحجب الاحتجاب من الحق، «كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ».