أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ١٠٦
لا يدرك ما وراء المتخيلات، و الوهم لا يدرك المعقولات، فمن لا عقل له لا يدرك المعقولات الصرفة، قال تعالى: «وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ» و هم أرباب العقول الكاملة و السائرون إلى اللّه فإنهم لما عبروا بالسلوك عن النفس و صفاتها و القلب و صفاته و وصلوا إلى مقام السر و عرفوا بعلم السر معنى القلب و النفس و الحس كما عرفوا بنور الحس سائر المحسوسات و بنور الخيال المتخيلات و بنور الوهم الموهومات، و إذا عبروا عن السر و وصلوا إلى عالم الأرواح عرفوا بنور الروح السر، و إذا عبروا عن عالم الروح و وصلوا إلى ساحل بحر الحقيقة، عرفوا بأنوار مشاهدات صفات الجمال عالم الأرواح و ما دونها، و إذا فنوا بسطوات الجلال عن إنانية وجودهم و وصلوا إلى لجة بحر الحقيقة، كوشفوا بهوية الحق تعالى، و إذا استغرقوا في بحر الهوية الأحدية و بقوا ببقاء الألوهية عرفوا اللّه باللّه، و وحدوه و قدسوه و عرفوا به كل شيء.
و هذا هو مسئول دعاء النبي صلّى اللّه عليه و آله، قال: «رب أرنا الأشياء كما هي» و كان قبل هذا وقت «سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ» فحينئذ وقت «أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» و هذا مقام «كنت له سمعا و بصرا و يدا، و بي يسمع و بي يبصر و بي ينطق و بي يبطش» ففي هذه الحالة كيف يبقى لمعرفة الروح حظر عند من له هذه المقامات العلية.
و اعلم أن الروح شيء واحد في ذاته و حقيقته، و تعدده بحسب تعدد النفوس المتصلة به، و كذا عالم الأمر موجود واحد بالذات متكثر بحسب جهات الإفاضات و الإيجادات «وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ» و هكذا الكلام، و غير ذلك من الأمور الإلهية، فإن من وراء عالم الخلق و عالم الدنيا و ما فيها و ما معها و هو عالم النور، كله مراتب الإلهية، كأنها طبقات بسيطة متفاوتة في شدة النورية و ضعفها، و كل طبقة منها منطوية مقهورة تحت طبقة أعلى منها، و هكذا إلى نور الأنوار، فالكل منطوية مطموسة تحت سلطان نوره، و سطوة كبريائه «أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ».
و عالم الخلق طبقاته ظلمات بعضها فوق بعض، و كلما هو أبعد من