أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ٢١٥
جليل من أعماله و أقواله في صحيفة باطنية، طويت منا اليوم و نشرت يوم القيامة، و هي كتاب حفيظ لقوله تعالى: وَ عِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ، و قوله: لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً، ففي قدرة اللّه تعالى أن يكشف في لحظة واحدة للخلائق كلهم حاصل حسناتهم و سيئاتهم وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ.
(٢) قاعدة في الإشارة إلى طوائف الناس من جهة الحساب
الناس يوم القيامة صنفان، صنف يدخلون الجنة و يرزقون من نعيمها، و هم ثلاثة أقوام، منهم المقربون الكاملون في المعرفة و التجرد، و هم لتنزههم و ارتفاع مكانتهم عن شواغل الكتاب و الحساب يدخلون الجنة بغير حساب، كما قال تعالى في حقهم: ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَ ما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ، و منهم جماعة من أصحاب اليمين لم يقدموا في الدنيا على معصية و لم يقترفوا سيئة و لا فسادا في الأرض، لصفاء ضمائرهم و قوة نفوسهم على فعل الطاعات و إيتاء الحسنات، فهم أيضا يدخلون الجنة بغير حساب، كما قال: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، و منهم جماعة نفوسهم ساذجة و صحائف أعمالهم خالية عن آثار السيئات و الحسنات جميعا، «فينالهم اللّه برحمة منه و فضل لم يمسسهم سوء العذاب [١]»، لأن جانب الرحمة أرجح من جانب الغضب، إذ لا يمكن هنا رجحان إلا مجرد الإمكان، و تحقق قابليته مع عدم المنافي، فهؤلاء أيضا يدخلون الجنة بغير حساب، و قد قال: وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، و قال: سبقت رحمتي غضبي.
و أما الصنف الثاني الذين هم أهل العقاب فهم أيضا ثلاثة أقسام، منهم صحيفة أعمالهم خالية من العمل الصالح و لا محالة يكون كافرا محضا،
[١] - هذه ليست بآية، بل تركيب من آيات مختلفة.