أسرار الآيات و أنوار البينات - الملا صدرا - الصفحة ٧
لا شبهة في أن هذه الأوزار و الأحمال التي يثقل ظهر القلب و يمنع النفس عن الصعود إلى الدرجات العلى ليست أجساما ثقيلة محسوسة بل هي من باب الهيئات النفسانية و الأعراض التعلقية التي تجر النفس عن عالم النور إلى عالم الغرور من سلاسل الشهوات و أغلال التعلقات. قوله تعالى: «فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ» لما بين في موضعه من أن الأخلاق و الملكات ستصير صورا جوهرية يتصور بها النفس الإنسانية و يتلبس بها في الآخرة، فيكون لها شعارا و دثارا.
ثم إن الهيئات المتمكنة في نفوس الأشقياء المبعدين من دار الكرامة هي من باب الشهوات الدنيوية و اللذات الحيوانية و الأغراض البهيمية، فهي حاصلة من القوى العمالة للأجرام السفلية بالتقطيع و الجمع و التفريق و التحليل و التركيب يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ، أي ينزل عليهم من القواهر العلوية ما يتسخن به أبدانهم، و يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَ الْجُلُودُ وَ لَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ، من قوة قوية لفاعل غليظ شديد يدعوهم إلى الأعمال الطبيعية و خدمة الشهوات الشيطانية و اشتعال النيرانات الكامنة. و يقمعهم عن الميل إلى جهة السعادة و جانب القدس، و يردهم إلى الجحيم التي وردوها أولا، كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها* بواسطة سماع وعظ أو نصيحة أو قراءة آية أو رواية حديث أو صحبة عالم، أُعِيدُوا فِيها*، لغلبة دواعي سلطان الطبيعة على قلوبهم القاسية و استيلاء النفس الأمارة بالسوء على نفوسهم. قوله تعالى: «أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ سَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ» فدلت الآية على أن الغفلة و الجهالة صارت سببا لخسران الآخرة، و قد مر بيانه. قوله: «وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا، وَلَّى مُسْتَكْبِراً، كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً، فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ» قوله: «وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ» قوله تعالى: «وَ إِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ، مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ، وَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَ لا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، هذا هُدىً وَ الَّذِينَ كَفَرُوا (بِآياتِ رَبِّهِمْ) لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ» فهذه الآيات دلت على