موسوعة عبد الله بن عبّاس - الخرسان، السيد محمد مهدي - الصفحة ٣٥٠ - سابعاً إقامة المناسك
ولمّا دخل مكة في جو ملتهب بالمشاعر الساخطة على عثمان ، وها هو أمير الحاج من قبله فعليه أن يتجنب كلّ ما يشتـّت الكلمة ويوري نار الفتنة ، لذلك لم يتعرض لأمر عثمان من قريب أو بعيد ، وكأنّه لم يكن خليفته في أمر المناسك ، بل بلغ من إعراضه عن أمره ، أن عثمان بعث معه كتاباً الى الحجاج يدعوهم الى نصرته ليتلوه في مكة قبل التروية بيوم ، فتلاه دون التعليق عليه بقليل أو كثير. وكان كتاباً طويلاً [١] تستدعي فيه بعض الفصول إثارة الفضول ، والتساؤل حول أفعال عثمان وولاة عثمان ، وهو حديث الساعة يومئذ بين الحجاج. لكنه لم يدع مجالاً للخوض في ذلك ، حفظاً للنظام وحفاظاً على إقامة المناسك دون بلبلة.
وزاد من إعراضه أنّ عثمان بعث كتابا مع نافع بن طريف إلى أهل مكة ومن حضر الموسم يستغيثهم ، فوافى به نافع يوم عرفة ، وابن عباس يخطب ، فقام نافع إليه ليقرأ الكتاب ، فلم يقرأه وقطع خطبته وترك نافع يقرأ كتاب عثمان ولمّا أتم قراءته ، عاد ابن عباس فأتم خطبته ولم يعرض لشيء من شأنه [٢].
وهكذا أقام للناس مناسك حجّهم ، ومضت أيام الحج المعلومات ، وألسنة الثناء تطري حبر الأمة وتمجّده ، اذ سحر الناس ببيانه خطيباً ، ومعلماً للأحكام مصيباً ، كما هو شأنه في كلّ عام حتى بلغ من افتتان الناس بكلامه ، قول بعضهم : يا سبحان الله ماذا يخرج من رأس هذا الرجل ، لو سمعت هذا الترك لأسلمت.
وقال الآخر ـ وقد سمعه يفسّر سورة النور وهو على المنبر ـ لو فسح لي المجال لقبـّلت رأسه لحلو منطقه. وروى أبو عثمان الجاحظ قول الناس :
[١] تاريخ الطبري ٥ / ١٤٠ ـ ١٤٢ ط الحسينية.
[٢] تاريخ المدينة المنورة لعمر بن شبة / ١١٦٦ تح ـ فهيم محمّد شلتوت ، تاريخ الإمامة والسياسة ١ / ٣٣ ـ ٣٤.