موسوعة عبد الله بن عبّاس - الخرسان، السيد محمد مهدي - الصفحة ١٠٠ - تعقيب بلا تثريب
الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى) [١] ودموعه تجري على خديه ، فأجهش القوم لبكائه ثم سكت وسكتوا ، فأصدر إليه عمر مسألته وأدى على جوابها ، فقال له عمر : يا أبا الحسن لقد أرادك الحق ولكن أبى قومك : فقال : يا أبا حفص احفظ عليك من هنا ومن هنا ، إن يوم الفصل كان ميقاتا ، فلمّا أراد عمر الإنصراف قال : ألا اُونسك يا بن عباس؟
قال ابن عباس : فأخذ بيدي وقال : يا ابن عباس لقد كان ابن عمك أحق بهذا الأمر لولا ثلاث.
قلت : وما هي؟ قال : حداثة سنه ، ومحبته لأهل بيته ، وبغض قريش له.
قال : فقلت يا أميرالمؤمنين أتأذن في الجواب؟ فقال : قل ، قلت : أمّا حداثة سنه فوالله ما استحدثه الله حين جعله أخاً لنبيه وجعل نفسه كنفسه ، وأمّا محبته لأهل بيته فقد عمل بقول الله تعالى فيهم : (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) [٢] ، وأمّا بغض قريش له ، فعلى من نقمت قريش؟! أعلى الله حيث أمر رسوله بحربها؟ أم على رسوله حيث أمر عليّاً بقتالها؟ أم على عليّ حيث أطاع الله ورسوله فيها؟ قال : فجذب يده من يدي وقال : يابن عباس إنك لتغرف مـن بحر » [٣].
وعلى هذا النمط تأتي بقية المحاورات حيث تبدأ باستدراج من عمر ، ثم إثارة ، ثم استفزاز ، ثم إظهار الكوامن ، وبالتالي اعتراف بالحقيقة. ومع ذلك كله فلا تصل النتائج إلى القطيعة التامة بين الصاحبَين غير المتصافيَين. بل كان عمر
[١] القيامة / ٣٦ ـ ٣٧.
[٢] الشورى / ٢٣.
[٣] أنظر المنتخب للطريحي / ٣٣ ـ ٣٤ ط الثالثة بالحيدرية سنة ١٣٦٩ هـ ـ ١٩٤٩م.