نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦ - ٤- عظمة منزلة الإمام في القرآن الكريم
الفرع الأول: الهداية التشريعية، وتطبيق الأحكام الدينية، سواء عن طريق إقامة الحكم وتطبيق الحدود والأحكام الإلهيّة والعدالة الاجتماعية، أو عن طريق تربية وتعليم النفوس بشكل عملي، وكلاهما يؤدّي إلى تحقيق اهداف الأنبياء، ويحتاج إلى مخطط مرهق وصعب للغاية، وإلى مواصفات كثيرة كالعلم والتقوى والشجاعة والإدارة.
الفرع الثاني: الهداية التكوينية والهداية إلى المطلوب من خلال التأثير والنفوذ المعنوي والروحي وتوجيه شعاع الهداية إلى افئدة ذوي الاستعداد من الناس، وهذا يتطلب من أيّ نبيّ أو إمام أن يكون حسن السيرتين، الظاهرية والباطنية وهي التي كانت للأنبياء والأئمّة ازاء أتباعهم، ومن المسلم به أنّ مثل هذا الأمر يتطلب المزيد من المواصفات والمزايا والقابليات.
فمجموع هذين المخططين يحقق أهداف الدين والرسالات الإلهيّة، ويوصل ذوي الاستعداد من البشر إلى التكامل المادي والمعنوي، الظاهري والباطني، وهذا هو المراد من الإمامة في الآية المذكورة، ولم ينل إبراهيم عليه السلام هذا المقام من دون أن يؤدّي الامتحان لنيل تلك المؤهلات والصفات.
ويستفاد ممّا تقدم أنّ مقام «الإمامة» يشترك مع مقام «النبوة» في الكثير من الحالات، وبإمكان نبيّ من اولي العزم كإبراهيم أن يبلغ مقام الإمامة أيضاً، والأكثر وضوحاً من ذلك هو أنّ اجتماع مقام «النبوة» و «الرسالة» و «الإمامة» في خاتم الأنبياء صلى الله عليه و آله متحقق فعلًا.
ويمكن أن ينفصل مقام الإمامة عن مقام النبوة والرسالة، كما في الأئمّة المعصومين عليهم السلام الذين يعلمون مسؤولية الإمامة فقط، من دون أن ينزل عليهم الوحي ويكونوا «رسلًا» أو «أنبياء».
على أيّة حال، فمن خلال مطلع هذه الآية تتضح جيداً عظمة مقام الإمامة، وأن تعيين الإمام من قبل اللَّه تعالى: «قَالَ انِّىِ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ امَاماً».
وذيل هذه الآية يوكّد كثيراً على هذا الموضوع، فهو يقول: إنّ إبراهيم عليه السلام لما أُعطي هذا المقام قال: «ومن ذرّيتي».