نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٠ - شبهات واعتراضات
من مال الدنيا أي شيء؟ وإذا كان المراد الصدقة المستحبة فلا يقال لها زكاة؟
الجواب: أولًا: إنّ موارد إطلاق الزكاة في القرآن الكريم على الزكاة المستحبة كثيرة، فكثيراً ماورد في العديد من السور المكية اسم «الزكاة» والمراد منها الزكاة المستحبة، إذ إنّ وجوبها كان بعد هجرة النبي صلى الله عليه و آله إلى المدينة.
والآيات ٣ من سورة النمل، و ٣٩ من سورة هود، و ٤ من سورة لقمان من جملة الموارد التي جاءت فيها كلمة الزكاة، ونظراً لكون هذه السور مكية فإنّ المراد هو الزكاة المستحبة.
ثانياً: صحيح أنّ علياً عليه السلام لم يدخر من مال الدنيا إلّاأنّه كانت تأتيه حصة من بيت المال، ومن المتيقن أنّه كان يمتلك وارداً بسيطاً من مجهوده أيضاً، وأنّ الخاتم المذكور من الفضة والظاهر أنّه كان رخيصاً، على هذا الأساس فإنّ تعلق هذا القدر من الزكاة البسيطة به عليه السلام ليس مستبعداً أبداً، وأنّ المبالغة بما قالوه بشأن قيمة ذلك الخاتم لا أساس لها من الصحة على الاطلاق.
ثالثاً: ألا يتعارض الانتباه إلى السائل مع حضور القلب في الصلاة والاستغراق في مناجاة الخالق جل وعلا مع القول السائد عنه: (حتى عرف بأنّ نصلًا وقع في رجله فأخرجوه أثناء الصلاة ولم يُحسّ) [١] فكيف يتسنى له الانتباه إلى السائل أثناء الصلاة؟!
الجواب: إنّ الذي يورد هذا الإشكال غافل عن سماع صوت السائل ومساعدته فما قام به عليٌّ عليه السلام لا يعتبر توجها إلى غير اللَّه، أو إلى الذات أو الامور الدنيوية، بل إنّه في واقع الأمر توجّه إلى اللَّه.
فقد كان القلب المقدس لعلي عليه السلام يشعر بالسائلين، ويستجيب لندائهم فقد مزج عمله العبادي هذا بعبادة اخرى، وتصدق أثناء الصلاة، وكلاهما كان للَّهوفي سبيله.
ومثل هذا الإشكال في الحقيقة إشكال على القرآن الكريم، لأنّ اللَّه تعالى قد امتدح في هذه الآية اعطاء الزكاة أثناء الركوع، ولو كان هذا العمل دليلًا على الغفلة عن ذكر اللَّه فلا ينبغي أن يستند إليها كصفة سامية وفائقة الأهميّة.
[١] نص الرواية هكذا، روي أنّه وقع نصلٌ في رجله فلم يُتَمكن من اخراجه فقالت فاطمة عليها السلام أخرجوه في حال صلاته فإنّه لا يحسّ بما يجري عليه حينئذٍ فأُخرج وهو في صلاته (المحجة البيضاء، ج ١، ص ٣٩٨- احقاق الحق، ج ٢، ص ٤١٤).