نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٨ - الولاية التكوينية في الأحاديث الإسلامية
النبي صلى الله عليه و آله أو الإمام المعصوم فقط، وبعضٌ يحصل بطلب الناس منهم وبإذن اللَّه، وبعضها يحصل عن طريقهم وبفعلهم، أي أنّ بعض المعجزات يحصل من خلال تصرفهم ومقامهم الروحي والمعنوي وبإذن اللَّه، بحيث لا يمثل سوى الولاية التكوينية التي نتحدث عنها الآن.
وهذه الحالات كثيرةٌ للغاية، وفيما يلي نشير إلى بعض النماذج منها:
١- ورد نموذج ظريف منها في نهج البلاغة- الخطبة القاصعة- حيث يقولُ عليه السلام «ولقد كنتُ معه صلى الله عليه و آله كما أتاه الملأ من قريش فقالوا له: يامحمد إنّك ادّعيت عظيماً لم يدعه أباؤك ولا أحد من بيتك، ونحن نسألك أمراً إنْ أنت أجبتنا إليه وأريتناه علمنا أنّك نبيٌ ورسول، وإن لم تفعل علمنا أنّك ساحرٌ كذاب».
فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله «وما تسألون» قالوا: تدعو لنا هذه الشجرة حتى تنقلع بعروقها وتقف بين يديك، فقال صلى الله عليه و آله: «إنّ اللَّه على كلّ شيء قدير، فإنّ فعل اللَّه لكم ذلك، أتؤمنون وتشهدون بالحقّ»؟ قالوا: نعم، قال: «فاني ساريكم ما تطلبون وإنّي لأعلم أنّكم لا تفيئون إلى خير، وإنّ فيكم من يطرحُ في القليب ومنْ يحزّبُ الأحزاب»، ثم قال صلى الله عليه و آله: «ياأيّتها الشجرة إنْ كنت تؤمنين باللَّه واليوم الآخر، وتعلمين أنّي رسول اللَّه فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يديّ بإذن اللَّه».
فوالذي بعثه بالحق (لا نقلعت) بعروقها وجاءت ولها دويٌ شديد وقصف كقصف أجنحة الطير حتى وقفت بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه و آله مرفرفة، وألقت بعضها الأعلى على رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وببعض أغصانها على منكبيه، وكنت عن يمينه صلى الله عليه و آله.
فلما نظر القوم إلى ذلك قالوا- علواً واستكباراً: فَمُرها فليأتك نصفها، ويبقى نصفها، فأمرها بذلك فاقبل إليه نصفها كأعجب إقبال وأشدّه دويّاً فكادت تلتفّ برسول اللَّه صلى الله عليه و آله!
فقالوا- كفراً وعتواً-: فمرّ هذا النصف فليرجع إلى نصفه كما كان، فأمره صلى الله عليه و آله فرجعَ، فقلت أنا: «لا إله إلّااللَّه، إنّي أول مؤمن بك يارسول اللَّه، وأول منْ أقرّ بأنّ الشجرة فعلت ما فعلت بأمر اللَّه تعالى تصديقاً بنبوتك وإجلالًا لكلمتك».