نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٦ - كيفية دلالة الآية على الخلافة
ولي المسلمين، صحيح أنّ لكلمة الولي معانِيَ عديدة كما أشرنا إليها آنفاً، فتارة تعني الناصر والصديق، واخرى جاءت بمعنى المتصرّف والحاكم المشرف وكما يقول الراغب: إنّ أصلها بمعنى أن يحصل شيئان فصاعداً حصولًا ليس بينهما ما ليس منهما ثم يضيف: «الولاية» بكسر الواو بمعنى «النصرة» و «الولاية» بفتح الواو تعني تولي الأمر [١].
أمّا القرينة الموجودة في الآية فهي تدلّ على أنّ «الولي» هنا تعني المتولي والمشرف وصاحب الخيار لأنّها لو كانت تعني الناصر والصديق والمعين لشملت المؤمنين جميعاً، كما نقرأ في الآية: «وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ». (التوبة/ ٧١)
بَيدَ أنّ الولاية في آية البحث اعتبرت منحصرة في حالة خاصة بذلك المتصدق في ركوعه، وكلمة «إنّما» التي تفيد الحصر جاءت معها (تأملوا جيداً).
إنّ هذا التعبير يجعلنا نتيقن بأنّ «الولاية» في الآية الآنفة الذكر لا تعني الصداقة والنصرة (وكذا سائر المعاني المشابهة والقريبة لهذا المعنى)، وعلى هذا الأساس فلا مجال إلّاأن تكون بمعنى المتولي وصاحب الأمر المشرف، الذي توازي ولايته ولاية اللَّه والنبي الأكرم صلى الله عليه و آله.
والآية التالية: «وَمَنْ يَتَولَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغَالِبُونَ».
وحقيقة هذه الآية أنّها تتمّة لمضمون الآية المذكورة، وتلاحظ فيها قرينة اخرى على تفسير الولاية بمعنى تولي الأمر والاشراف، لأنّ التعبير ب «حزب اللَّه» وانتصارهم على الأعداء يتعلق بإقامة حكومة إسلامية لا على أساس الصداقة العادية، وهذا يفيد أنّ كلمة الولي في الآية تعني المشرف والحاكم والماسك بزمام امور الإسلام والمسلمين، لانّ معنى «الحزب» هو ضربٌ من التنظيم والتضامن الاجتماعي من أجل تأمين اهداف مشتركة.
[١] مفردات الراغب، مادة (ولي) وذكر البعض ٢٧ معنى للمولى (الغدير، ج ١، ص ٣٦٢) إلّاأنّ اصول معانيها ذانك المعنيان والبقيّة ترجع إليهما.