القواعد الفقهية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٣ - الأول بناء العقلاء
فكل من يسيطر على شيء و يحوزه، من منابع الأرض و مواهبها يرى لنفسه اختصاصا بها و لها اختصاصا به و من هنا نشأت عنوان الملكية.
و قد كان كثير من الأشياء الموجودة على الأرض لا يمكن الانتفاع بها قبل إصلاحها و اعمال عليها فكان يعمل فيها بما يصلحها و يعدها لحوائجه، فكان العمل سببا آخر للملكية.
و من هنا يعلم ان جميع الاملاك الموجودة للإنسان ترجع الى احد هذين السببين: «الحيازة» و «العمل» فلو لا الحيازة أو العمل لم يكن ملك، و هذا أوضح دليل على ان الحيازة من أسباب الملك، لان جميعها بالمآل يرجع اليه.
ثمَّ بعث اللّه الرسل و انزل الكتب السماوية لهداية الإنسان إلى غاية خلقه، و إيصاله إلى كمال مطلوبه، و إصلاح أمور معاشه و معاده.
و هم قرروها الأمم على كثير من أمورهم العقلائية، و منها الحيازة، فلم ينكر احد منهم سببية الحيازة للملك، و كذا سببية العمل له.
نعم ذكروا لها شروطا و قيودا اجتنابا من مفاسدها، و تكميلا لمصالحها.
الى ان جاء نبينا محمد صلّى اللّه عليه و آله و انزل عليه القرآن، فهو أيضا قرر أمته على ذلك و لم يمنع منه بل آثار في نفوسهم الشوق الى احياء الأرض، و حيازة منابعها، و مواهبها و صرفها في المعروف و ما يكون فيه رضا الرب.
و هذه السيرة العقلائية من أقوى السير، و من أقدمها، فهي أحرى بالحجية من غيرها.
كما ان إمضاء الشرع لها أظهر من الجميع، فقد كان حيازة المباحات طول الليل و النهار، و في جميع أيام السنة، بمرأى من الشارع و بمسمعه، و لم ينكر على احد في ذلك بل أكده و جرى عمله و عمل أصحابه عليه، فاذا لا يبقى اي شك في كون الحيازة- على إجمالها- سببا للملك.