هداية الطالب الى اسرار المكاسب ط قديم - الشهيدي التبريزي، الميرزا فتاح - الصفحة ٤٠٤ - الأولى في معنى الخيار
الجزء الثالث
القول في الخيارات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلاة و السّلام على محمّد و آله الطّاهرين و لعنة اللَّه على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدّين و بعد فالقول فيما يتعلّق بالخيارات
[مقدمتان]
[الأولى في معنى الخيار]
قوله قدّس سرّه على ما فسّره به في موضع من الإيضاح أقول قضيّة هذا التّعبير أنّ نسبة التّغليب الّذي ذكره مبنيّة على تفسير الإيضاح للخيار و يتّجه عليه أنّه لا يمكن أن يكون ذلك مبنى لتلك النّسبة إلّا أن يكون هذا التّفسير منه قدّس سرّه في مقام بيان ما هو المصطلح عندهم فيه و هو كما ترى تخرّص صرف و ذكره قدّس سرّه هذا التّفسير بطور إرسال المسلّمات لو دلّ فإنّما يدلّ على تحقّق التّغليب عند جميع الفقهاء لا جماعة من المتأخّرين و يمكن أن يقال إنّ هذا بيان لمبنى تحقّق الغلبة في زمان تلك الجماعة بتقريب أن يراد منهم الفخر و من تأخّر عنه قدس سرهم و يكون نظره ره في قوله على ما فسّره إلى آخره إلى بيان ما يستكشف به تحقّق الغلبة في زمانهم إلى حدّ الحقيقة يعني قد استعمل في كلمات جماعة من المتأخّرين الفخر و من تأخّر عنه في ملك الفسخ إلى أن بلغ لأجل الغلبة و كثرة الاستعمال إلى حدّ الحقيقة بناء على تفسير الفخر له به حيث أنّ قضيّة تفسيره به كونه معنى حقيقيّا له قد وضع له و معلوم أنّه لم يوضع له وضعا تعيينيّا فلا بدّ أن يراد منه الوضع التّعيّني الحاصل من غلبة الاستعمال فيدلّ على تحقّق الغلبة الموجبة لتعيّن اللّفظ بإزاء المعنى في زمان الفخر ره ففي زمان من تأخّر عنه بطريق أولى و حينئذ لا يبقى للإشكال مجال فتدبّر قوله فيدخل ملك الفسخ أقول يعني يشكل التّعريف بدخول ملك الفسخ في العقود الجائزة و في العقد الفضولي و الحال أنّه ليس من الخيار ثمّ إنّ دخوله فيه إنّما هو بناء على ما هو الظّاهر من الملك في التّعريف المذكور من كون المراد منه القدرة كما في قوله تعالى ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا أي بقدرتنا بناء على قراءته بضمّ الميم وجه الظّهور أنّ الخيار بحسب اللّغة و العرف هو القدرة بمعنى إن شاء فعل و إن شاء ترك و ظاهر التّغليب بحسب الغلبة أن يكون المغلّب فيه من أفراد المعنى الحقيقي و مقتضى الفرديّة أن يكون الملك فيه بمعنى القدرة فالمراد أنّ الخيار بمعنى القدرة و غلّب في هذا القدرة الخاصّة كما أنّ قوله ره في مقام الجواب عن هذا الإشكال و لعلّ التّعبير بالملك للتّنبيه على أنّ الخيار من الحقوق لا من الأحكام إلخ مبنيّ على ما هو خلاف هذا الظّاهر المذكور كما يشعر به التّعبير بكلمة بعد بل خلاف قوله بعد ذلك أنّ القدرة على الفسخ عين القدرة على تركه إلى آخره لأنّه صريح في تفسير الملك بالقدرة من كون المراد من الملك في كلماتهم هو السّلطنة الشّرعيّة المجعولة من جانب الشّارع بطور الوضع الّتي تنشأ منها القدرة بالمعنى المذكور فيكون التّغليب من باب تغليب اللّفظ الموضوع للملزوم في اللّازم فلا يرد على المصنف قدّس سرّه أنّ ابتناء الإشكال و الجواب معا على وجود كلمة الملك في تعريفهم الخيار تناقض فتأمّل نعم يشكل عليه ره أنّ هذا الجواب منه مناف لمذاقه و مسلكه في حقيقة الأحكام الوضعيّة هذا و لكن يمكن لنا أن نختار الشّقّ الأوّل و هو كون الخيار بمعنى القدرة و نقول بأنّ الملك في الموارد المذكورة نقضا على طرد التّعريف على فرض كون متعلّقه الفسخ كما عليه بناء النّقض بها أيضا من قبيل الخيار و من أفراده بحيث لو لم يشمله التّعريف لما كان جامعا للأفراد كما يرشد إلى ذلك إطلاق الخيار على ملك الفسخ فيها في الأخبار و كلمات علمائنا الأخيار و ذلك بتقريب أنّ المراد من الملك هو القدرة الشّرعيّة على الفسخ و مرجعه إلى جوازه شرعا و لا يكون هذا إلّا مع جواز العقد و عدم لزومه في الشّرع و إلّا يلزم انفكاك اللّازم عن الملزوم ففي جميع موارد الخيار لا بدّ من جواز العقد أمّا مع عدم تأثيره في الغرض المقصود منه كما في الفضولي إذ ليس له إلّا أهليّة التّأثير أو مع تأثيره فيه كما في الهبة و الوكالة و العارية و البيع الخياري و على الثّاني إمّا أن يكون جواز العقد بالنّسبة إلى المتعاقدين بمعنى قدرتهما على الفسخ شرعا كالأمثلة المتقدّمة و إمّا بالنّسبة إلى غيرهما كالزّوجة بالنّسبة إلى العقد على بنت أخيها أو أختها و بالجملة الخيار و ملك فسخ العقد في كلّ مورد إنّما هو من قبيل الأحكام الشّرعيّة من غير فرق بين أن يجعله الشارع ابتداء فيستكشف منه بالإنّ جعل ملزومه و هو جواز العقد و بين أن يجعل الملزوم المذكور ابتداء فيترتّب عليه لوازمه و لازم ما ذكرنا عدم سقوط الخيار بالإسقاط ما لم يرجع إلى الإمضاء و الإيجاب و كذا عدم قابليّته للإرث
و لا بأس بذلك لما سيأتي و توهّم أنّ لازم ما ذكرت عدم جواز فسخ العقد الجائز بعد الإمضاء كما في البيع الخياري و ليس كذلك مندفع بأنّه إنّما يلزم ذلك على تقدير كون معادل الفسخ في تعريف الخيار هو الإمضاء و الإيجاب بأن يكون مرادهم أنّ الخيار ملك فسخ العقد و إمضاءه بمعنى جعله لازما غير قابل للفسخ و عليه لا بدّ من الالتزام بعدم تأثير الفسخ في العقود الجائزة بالذّات بعدم الإمضاء و إلّا يلزم الخلف و كون الإمضاء غير مؤثّر في اللّزوم و هو باطل و أمّا على تقدير كون المعادل له ترك الفسخ فلا يلزم ذلك بل اللّازم جواز الفسخ أيضا ما دام الوقت باقيا فيها و في موارد الخيار و لنا أن نختار الشّق الأوّل أيضا و نجيب إمّا عن النّقض بالعقود الجائزة فبمنع كون متعلّق الملك فيها هو فسخ العقد و حلّه بل هو عبارة عن إزالة ما هو مسبب عن العقد من دون تصرّف في العقد أصلا بأن نقول إنّ الموكّل مالك على إزالة الوكالة الحاصلة بعقدها بالعزل و الواهب