دروس في القواعد التفسيرية - السيفي المازندراني، الشيخ علي أكبر - الصفحة ٤٩ - وجه الحاجة إلى علم التفسير
و كل قوم يعرفون لسانهم و لغاتهم؟
و قد أجاد جلال الدين السيوطي في جواب هذا السؤال؛ حيث قال:
«من المعلوم أنّ اللّه تعالى إنّما خاطب خلقه بما يفهمونه. و لذلك أرسل كلّ رسول بلسان قومه و أنزل كتابه على لغتهم. و إنّما احتيج إلى التفسير؛ لما سيذكر بعد تقرير قاعدة. و هي أنّ كل من وضع من البشر كتابا، فانّما وضعه ليفهم بذاته من غير شرح، و إنّما احتيج إلى الشروح لامور ثلاثة:
أحدها: كمال فضيلة المصنّف. فانه لقوّته العلمية بجميع المعاني الدقيقة في اللفظ الوجيز، فربما عسر فهم مراده. فقصد بالشرح ظهور تلك المعاني الخفيّة.
و من هنا كان شرح بعض الأئمّة تصنيفه أدلّ على المراد من شرح غيره له.
و ثانيها: إغفاله بعض تتمات المسألة أو شروط لها؛ اعتمادا على وضوحها، أو لأنّها من علم آخر، فيحتاج إلى الشارح، لبيان المحذوف و مراتبه.
و ثالثها: احتمال اللفظ لمعان كما في المجاز و الاشتراك و دلالة الالتزام، فيحتاج إلى الشارح لبيان غرض المصنّف و ترجيحه»[١].
و لا يخفى أنّ من بين الوجوه الثلاثة المزبورة، إنّما يصلح الوجه الأخير لتوجيه الحاجة إلى تفسير القرآن، إذا لم تكن الآية محفوفة بقرائن قطعية داخلية، سياقية و غيرها، و إلّا نفس تلك القرائن تعيّن المعنى المقصود، بلا حاجة إلى التفسير.
و من وجوه الحاجة إلى علم التفسير، ما سيأتي، من أنّ للقرآن بطنا و تأويلا يختص علمه بالائمة المعصومين عليهم السلام و أنّ في الآيات محكمات و متشابهات و مجملات، و هي بحاجة إلى التفسير و التأويل و لا يمكن الأخذ بظهورها البدوي.
و لا يمكن استكشاف مراد اللّه في مثل هذه الآيات بمعونة العقل، بل لا مناص من
[١] الاتقان: ج ٢، ص ١٧٤.