دروس في القواعد التفسيرية - السيفي المازندراني، الشيخ علي أكبر - الصفحة ٢٥٩ - مقتضى القاعدة عند تعدد أسباب النزول
مقتضى القاعدة عند تعدد أسباب النزول
و قد سبق أنّ لأسباب النزول دورا كبيرا و دخلا كثيرا في استكشاف المفاهيم القرآنية و استظهار المعاني المقصودة من الآيات؛ نظرا إلى نزولها تدريجا في ضمن وقائع و بمناسبة حوادث واقعة في طول زمان حياة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله. و من هنا يكون بين مضامين الآيات القرآنية و بين أسباب نزولها من الارتباط و العلاقة العريقة.
و من أجل ذلك ينبغي للمفسّر في تفسير القرآن قبل أيّ تحقيق أن يفحص عن أسباب نزول الآيات و إحراز صحة طرق نقلها؛ حتى يصير بصيرا في تفسيرها.
و من هنا كان دأب الأقدمين من المفسّرين- كابن عبّاس- عناية خاصّة بأسباب نزول الآيات، كما تشهد لذلك قصّته المعروفة من سعيه مدّة مديدة و ترصّده وقتا للخلوة مع عمر؛ ليسأله عن مورد نزول قوله تعالى: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما[١]، حتى سأله عن ذلك و عرف زوجتي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله اللّتين نزلت فيهما الآية، و هما عائشة و حفصة. و قد روى ذلك كثير من رواة العامّة و مفسّريهم[٢].
و لكن في المقام مشكلة، و هي أنّ في مواضع كثيرة، تعدّد و اختلف ما نقله المحدّثون و المفسّرون، من سبب النزول في آية واحدة.
فما هو مقتضى القاعدة حينئذ؟
مقتضى التحقيق: أنّ الأسباب و الموارد المرويّة لنزول آية من الآيات القرآنية، إن كانت مشتركة متوافقة في صدق مضمون الآية؛ بأن دلّت الآية على كبرى كلية يندرج فيها جميع ما نقل من أسباب النزول، فلا مشكلة في البين، و لا كلام في ذلك.
و إنّما الكلام فيما إذا اختلفت أسباب النزول المنقولة في الفرض المزبور،
[١] التحريم: ٤.
[٢] الدرّ المنثور: ج ٦، ص ٢٤٢./ الجامع لأحكام القرآن: ج ١، ص ٢٦.