دروس في القواعد التفسيرية - السيفي المازندراني، الشيخ علي أكبر - الصفحة ٣١ - الكلام في وقوع التحريف
و كفى لاثبات ذلك- مضافا إلى اتفاق علمائنا الإمامية- قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ[١].
فان حفظ القرآن لا يصدق إلّا إذا كان مصونا بين أيدي الناس من أيّة زيادة و نقيصة مغيّرة للمعنى في طيّ الأعصار إلى يوم القيامة. و إنّ اللّه لا يخلف وعده، و من أصدق من اللّه حديثا؟!
و قوله تعالى: إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ[٢].
فإن إطلاق هذه الآية ينفي إتيان أيّ باطل و تطرّق أيّ تحريف و تغيير مخلّ بمضمون الكتاب إلى يوم القيامة.
إن قلت: هذا الاستدلال دوري؛ لتوقفه على عدم تحريف الكتاب؛ إذا الآيتان المستدلّ بهما من الكتاب.
قلت: هاتان الآيتان لم يقل أحد بوقوع أيّ تحريف فيهما. بل تواتر قراءتهما متّفق عليه بين الفريقين. فليس فيهما احتمال أيّ تحريف و تصحيف، بل و لا أيّ اختلاف في قراءتهما، كما هو واضح لمن راجع تفاسير العامة و الخاصة.
و قد استدل بهما شيخ الطائفة و الطبرسي و غيرهما، من أعاظم الأصحاب على عدم تحريف القرآن بأيّ وجه و نحو من وجوهه و أنحائه.
و أيضا يدل على ذلك حديث الثقلين و ما ورد من النصوص الآمرة بالتمسّك بالقرآن؛ حيث لا حجية له مع وقوع التحريف المغيّر لمعناه، بل لا يلائم حجيته احتمال تطرّق التحريف فيه. و الأمر بالتمسّك بالقرآن كلّه- كما هو ظاهر إطلاقه، بل مقتضى دلالته التضمّنية-، فرع حجيته بتمامه، و من هنا يكشف عن عدم تطرّق التحريف- المغيّر لمعناه- إليه إلى يوم القيامة.
[١] الحجر: ٩.
[٢] فصّلت: ٤١- ٤٢.