دروس في القواعد التفسيرية - السيفي المازندراني، الشيخ علي أكبر - الصفحة ٣٨ - الكلام في وقوع النسخ و أقسامه
تعالى بأمد الحكم و دوام مصلحة تشريعه حتى يستحيل، فلا ريب في إمكان النسخ. و لا يلزم منه البداء المستحيل؛ حيث إنّ معناه- كما أشرنا إليه آنفا: أن يظهر للّه تعالى ما لم يكن يعلمه و يحتسبه، من انتهاء أمد الحكم المجعول و انتفاء مصلحة تشريعه، و تبديله إلى حكم آخر. و لا ريب في استحالة ذلك في حقه تعالى؛ لاستلزامه تطرّق الجهل إلى ذاته المقدّسة.
قال ابو هلال: «و البداء أصله الظهور. تقول بدا لي الشيء إذا ظهر و تقول: بدا لي في الشيء إذا ظهر لك فيه رأي لم يكن ظاهرا لك، فتركته لأجل ذلك. و لا يجوز على اللّه البداء؛ لكونه عالما لنفسه. و ما ينسخه من الأحكام و يثبته، إنّما هو على قدر المصالح، لا أنّه يبدو له من الأحوال ما لم يكن باديا. و البداء هو أن تأمر المكلف الواحد بنفس ما تنهاه عنه على الوجه الذي تنهاه عنه و الوقت الذي تنهاه فيه عنه. و هذا لا يجوز على اللّه؛ لانه يدل على التردد في الرأي»[١].
و قال ابن فارس: «الباء و الدال و الواو أصل واحد، و هو ظهور الشيء ...
و تقول: بدا لي في هذا الأمر بداء؛ أي تغيّر رأيي عمّا كان عليه»[٢].
الكلام في وقوع النسخ و أقسامه
و أمّا وقوعه في شريعة الإسلام، فلا خلاف فيه بين الفريقين في الجملة. و قد دلّ على أصل وقوعه قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها[٣].، فلا كلام فيه.
و إنّما الكلام في موارد وقوعه من حيث نسخ التلاوة أو الحكم أو كليهما، و من حيث نسخ كل من الكتاب و السنة و الاجماع و العقل بالآخر.
قال السيد الخوئي قدّس سرّه: «لا خلاف بين المسلمين في وقوع النسخ، فإنّ كثيرا
[١] معجم الفروق اللغوية: ص ٥٣٨، ش ٢١٦٥.
[٢] مقاييس اللغة: ج ١، ص ٢١٢، في مادّة« بدو».
[٣] البقرة: ١٠٦.