دروس في القواعد التفسيرية - السيفي المازندراني، الشيخ علي أكبر - الصفحة ١٩٣ - تطبيقات قرآنية
و منها: قوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ[١]؛ حيث استدلّ الفقهاء بهذه الآية على مشروعية التقليد؛ نظرا إلى كون ماهيته رجوع الجاهل إلى العالم و السؤال عنه فيما لا يعلمه.
و لكن أشكل الفقيه المدقّق السيد الخوئي[٢] على هذا الاستدلال؛ بأنّ هذه الآية إنّما نزلت في الأمر بالسؤال عن علماء اليهود في مسألة رسالة نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله لغرض ردّ استغراب رؤساء القبائل و أشرافهم و أعيانهم تخصيص رجل مثلهم و من بينهم بالرسالة و النبوة.
و مسألة النبوّة أمر اعتقادي لا يجوز فيه التقليد و التعبّد بقول الخبرة، بل يجب فيه تحصيل اليقين. و إنّما أمر اللّه بذلك ليرتفع بذلك شكّهم في رسالة نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و تركهم استغرابها. فلا تصلح هذه الآية للاستدلال المزبور.
و أنت ترى أنّ هذا الاشكال مبنيّ على قاعدة السياق؛ لأنّ صرف الآية المزبورة إلى مسألة نبوّة نبيّنا و حصر مورد السؤال فيها، إنّما هو بدلالة سياق هذه الآية؛ نظرا إلى ما جاء في صدرها بقوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ[٣]، و بقرينة سياق الآيات السابقة المتضمّنة لانكارهم نبوّة نبيّنا و نسبة السحر و الشعر و الجنون إليه عن جهل و عناد و لجاج.
و أمثلة هذه القاعدة و الآيات المرتبطة بها أكثر من أن تحصى، و كلمات أصحابنا مشحونة من الاستدلال بهذه القاعدة في فتاواهم و استظهاراتهم من الآيات و الروايات. و قد تعرّض الزركشي لذكر كثير منها.[٤] و سيأتي تفصيل ذلك في الحلقة الثانية، إن شاء اللّه.
[١] الأنبياء: ٧.
[٢] التنقيح/ كتاب الاجتهاد و التقليد: ص ٨٩- ٩٠.
[٣] الانبياء: ٧.
[٤] راجع البرهان: ج ١، ص ٣٨- ٥٠.