كتاب القضاء - اراکی، محسن - الصفحة ٢١٤ - المطلب الثاني في منافاة الوجوب لأخذ الأجرة على العمل، وعدمها
منها وما لم يجب، بل وما حرم منها؛ فإنّ معنى ملكيّة الله للعبيد وأعمالهم: كونهم مخلوقين له هم وأعمالهم، وكونهم داخلين تحت سلطنته التكوينيّة المطلقة التي لا يشذً عنها شيء؛ ولهذا قال ربّنا عَزَّ وَجَلَّ بشأن المشركين: وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا[١]، وقال سُبحَانَهَ وَتَعَالى: وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ ما يَفْتَرُونَ[٢]، وقال عَزَّ وَجَلَّ: وَ كَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَ لِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ ما يَفْتَرُونَ[٣]؛ فإنّ الأعمال التي أشارت إليها هذه الآيات- من الإشراك وإيحاء زخرف القول وتزيين قتل الأولاد- كلّها أُمور محرّمة، بل ومن أعظم ما حرّم الله، وهي كلّها على الرغم من ذلك ملك لله تَبَارَكَ وَتَعَالى، فإنّه عَزَّ وَجَلَّ- كما صرّحت به الآيات- لو شاء ما فعلوها؛ لأنّها جميعاً تحت سلطنته وفي قبضة قدرته وإرادته.
فقد تبيّن ممّا ذكرناه: أنّ وجوب العمل لله لا ينافي مملوكيّته للغير، كما أنّ ملكيّة الغير للعمل- بالإجارة أو غيرها- لا تنافي وجوبه لله سُبحَانَهَ وَتَعَالى، كما أنّ ملكيّة الله عَزَّ وَجَلَّ للعمل لا تنافي ملكيّة الغير له ولا وجوب العمل له، فما زعمه الشيخ الكبير مانعاً ذاتيّاً ليس بمانع، فضلًا عن كونه ذاتيّاً.
[١] سورة الأنعام: ١٠٧.
[٢] سورة الأنعام: ١١٢.
[٣] سورة الأنعام: ١٣٧.