كتاب القضاء - اراکی، محسن - الصفحة ٢١٩ - المطلب الثالث في منافاة عبادية العمل لأخذ الأجرة عليه، وعدمها
الثاني: عدم قابليّة العمل العبادي لأن يوفّي به عقد الإجارة؛ فإنّ الوفاء بعقد الإجارة يستلزم أن يأتي العامل بالعمل وفقاً للعقد؛ فإنّ هذا هو معنى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ. ولكنّ العمل العبادي ليس قابلًا لأن يفي العامل بواسطته بعقد الإجارة الذي تعلّق به؛ فإنّ مقتضى عقد الإجارة أن يكون المستأجر مستحقّاً لعمل الأجير، فالوفاء بعقدٍ من هذا النوع هو الإتيان بالعمل بعنوان كونه مستحقّاً للمستأجر. ولكن من جهة أُخرى، مقتضى عباديّة العمل أن يؤتى به بعنوان كونه مستحقّاً لله، فلو أتى المكلّف بالعمل العبادي قربةً إلى الله لم يمكن للمستأجر أن يستوفي ذلك العمل؛ لكونه إنّما جاء به المكلّف لله سُبحَانَهَ وَتَعَالى، وهو عَزَّ وَجَلَّ يستوفيه، ومعه لا يبقى شيء للمستأجر ليستوفيه.
ويمكن الإجابة على هذا التقرير: بعدم المانع من اجتماع استحقاقين على عمل واحد، لاسيّما مع طوليّة الاستحقاقين؛ بمعنى أنّ العمل لكونه واجباً عباديّاً يكون مستحقّاً لله عَزَّ وَجَلَّ، لابدّ أن يؤتى به بقصد التقرّب إليه، ثمّ إنّ هذا العمل العبادي الذي يشترط فيه قصد التقرّب إلى الله تَبَارَكَ وَتَعَالى يتعلّق به عقد الإجارة، فيصبح بما هو عبادة مستحقّاً للمستأجر بمقتضى عقد الإجارة، ويكون الإتيان به من قبل الأجير بقصد القربة وفاءً لعقد الإجارة، كما يكون أداءً للواجب الذي أمر به الباري عَزَّ وَجَلَّ، فيتأكّد وجوبه الناشئ من الأمر الأوّلي بوجوبه الناشئ من الأمر بالوفاء بالعقود.